اضغط هنا للتسجيل والحصول على مدونتك الخاصة الملف الشخصي لـ مقالات إرشيف مقالات الصفحة الرئيسية لـ مقالات
إحتمال إستقلال فلسطين صفر
نشر الساعة: 03:36 م بتاريخ: 10/ 3/2007
الكاتب: رياض مصطفاوي

إمكانية إستقلال فلسطين صفر

 

كتب : رياض مصطفاوي

 

يصادفنا على شبكة إنترنت يوميا و على مدار الساعة إخوتنا من فلسطين في منتديات الحوار و غرف المحادثات و المواقع باختلاف أنواعها، إنها وسيلة جيدة للتواصل مع إخوانهم العرب في العالم، و لا ننكر أن الفلسطينيين يسيرون مواقع جيدة جدا، ما أجمل أن نرى إخواننا يشاركونا حياتنا في القرية الإلكترونية.

 

كيف يعيش إخوتنا في فلسطين؟ طبعا في رفاهية كاملة، في سعادة مطلقة، في بذخ لا يقابله بذخ، إنني لا أبالغ، و إلا؛ كيف نفسر التواجد الهائل للفلسطينيين على الشبكة المعلوماتية يصطادون الفتيات؟ لا يفعل ذلك إلا مرتاح البال الذي لا يجد شيء يملأ فراغه، فيلجأ إلى شحن وقته بالرومانسية الزائفة، معتمدين في ذلك على رصيدهم من المأساة، يتمسكنون، يتوددون، يلعبون دور الضحية، و الفتيات العربيات تستقطبهن المأساة الفلسطينية و تستعطفهن، يحاولن المشاركة فيها ولو بربط قصة حب زائفة مع الشاب الفلسطيني الضحية، و لا أنكر مهارة الفلسطينيين في التأثير على الفتيات، ليس العربيات فقط بل الأوروبيات أيضا، "العاهرات منهن فقط"، لأن الأوروبية الشريفة واعية و لا تمر عليها ألاعيب الحب الزائف، ما أجمل أشعار الفلسطينيين، ما أروع خواطرهم، إنهم فنانين على كل الأصعدة، لما لا و هم يعيشون السعادة؟ هل نعتقد فعلا أن الإسرائليين يقتلون الفلسطينيين و يسلبوهم أملاكهم و يضطهدوهم؟ لا أضن ذلك، لأن من يعيش تحت لواء الإضطهاد لا تجده يبحر في عالم الشهوات النفسية على الشبكة المعلوماتية، إلا إذا كان مخذرا أو لا شخصية له، لأن الإضطهاد يؤدي إلى الثورة، و لا ثورة في فلسطين، و لا أحد يمكنه أن يثبت أن الشعب الفلسطيني شعب ثائر، إن عدد الفلسطينيين الذين يمضون أيامهم أمام شاشة الحاسوب يكفي لأن نعتبر الأمر ظاهرة حقيقية طاغية، و أنا أملك أدلة مادية سأنشرها بحول الله بعد أربعين سنة من الآن لأسباب شخصية لا يمكنني ذكرها.

 

فلسطين تحت لواء إسرائيل، الدولة الفلسطينية غير موجودة رسميا في قائمة دول العالم، يوجد فقط إقليم فلسطين، غزة و أريحا، منطقة إسرائلية تحت إدارة العرب، هذا ما يرد في الرسميات، الفلسطينيون يتقاتلون في ما بينهم من أجل إدارة المنطقة، ألد أعداء حماس حركة فتح، و ألد أعداء فتح حركة حماس، فتح تعتبر حماس حركة إرهابية، حماس تعتبر فتح مجموعة من العملاء، قتال حتى الموت بين الإخوة، هنيئا لك يا إسرائيل، بعد الآن لن تحتاجي لصواريخك لتقتيل الفلسطينيين، فتح ستقتل حماس و أنصارها و حماس ستقتل فتح و أنصارها، و لن يبقى على قيد الحياة إلا المحايد، و المحايد هو من يناصر إسرائيل، ما أروع هذا الفيلم؛ حين يصرح رئيس إقليم فلسطين أن حماس لها علاقة بتنظيم القاعدة الإرهابي، و ما أعظم الفيلم الآخر؛ حين يصرح رئيس حماس "الإرهابي المزعوم" بأحقيته بتشكيل حكومة و قيادة الدولة، أية حكومة و أية دولة؟ هل يخدعون الناس أو أنفسهم يخدعون؟ هل فعلا توجد دولة فلسطينية؟ هل توجد فيها حكومة حقيقية؟ هل نكذب كذبة و نصدقها؟ لو أن المتقاتلين من أجل وهم الحكومة تقاتلوا من أجل هدف نبيل و من أجل الشعب و مصالحه لكان الأمر مهضوما بعض       الشيء رغم عسر هضم الصراع بين الإخوة لأي سبب كان، أما أن يجلس قادة الإتجاهات في مكاتب مكيفة و فاخرة و يأمرون أنصارهم الأوفياء بتقتيل بعضهم البعض من أجل الحصول على هدية إسرائيل للعرب الفلسطينيين، منصب الحكومة الإفتراضية الوهمية، فذلك أمر لا يمكن أن يستساغ مهما كانت ملابسات القتال و أسبابه.

 

العربي و العروبة، مرادفا للشجاع و الشجاعة، للكريم و الكرم، للشريف الشرف، أي شجاعة للشجاع العربي و هو يرى أخيه في فلسطين يقتل و لا يحرك ساكنا؟ و أي كرم للكريم العربي و هو يرى الشعب الفلسطيني يموت جوعا بعد أن جمد الصهاينة حساباتهم المصرفية و لا يعينه في الحصول على لقمة عيش بكرامة دون أن يضطره للطأطأة لليهودي؟ و أي شرف للشريف العربي و هو يرى بيت أخيه في فلسطين يسلب و أخته العربية الفلسطينية تغتصب و لا تتدفق هرمونات الشرف في دمائه؟ العربي و العروبة مرادفات لأشياء أخرى، المتكلم و الكلام، المندد و التنديد، المستنكر و الإستنكار، بطل و بطولة، بطل في ممارسة الجنس، و وبطولة في اصطياد الفتاة الجميلة، بطل في الأكل و بطولة في استيراد أجود الأطعمة، بطل في النوم و بطولة في الإحتلام ببريتني سبيرس، بطل في الكمبيوتر و بطولة في سرقة إيمايلات العذارى، بطل في بيع البترول و بطولة في إنفاق العائدات في كازينوهات لندن و على فراش فنادق باريس مع عاهرات شرق أوروبا، ما أعظم البطل و ما أروع ملاحمه البطولية.

 

هل ببطولات و ملاحم الشاب الفلسطيني الذي يقضي اليوم أمام شاشة الكمبيوتر على شبكة الإنترنت ستستقل فلسطين؟ أو ببطولات الأطراف المتنازعة فيما بينها و التي تستهلك رصيدها من الرصاص في القتال بين الإخوة ستستقل فلسطين؟ أو بالكتائب التي ترمي رصاصها في الهواء في طلقات إستعراضية  عند استشهاد أي فلسطيني ستستقل فلسطين؟ أو بأبطال و بطولات العرب العاطفية و الجنسية و الكلامية و التنديدية ستستقل فلسطين؟ أو بأحلامنا ستستقل فلسطين؟ و لا يسعني إلا أن أذكر بقول أحمد مطر

"هرم الناس وكانوا يرضعون،

عندما قال المغني عائدون،

يا فلسطين وما زال المغني يتغنى،

وملايين اللحون،

في فضاء الجرح تفنى،

واليتامى من يتامى يولدون،

يا فلسطين وأرباب النضال المدمنون،

ساءهم ما يشهدون،

فمضوا يستنكرون،

ويخوضون ا لنضا لات على هز القناني

وعلى هز البطون،

عائدون،

ولقد عاد الأسى للمرة الألف،

فلا عدنا ولاهم يحزنون"!

 

كلمة الحق تقال؛ ما أخذ بالقوة لن يسترجع إلا بالقوة، الحرة تؤخذ و لا تعطى، إحمل البندقية و لا تفكر في البقية، الدم و لا العار، ما ضاع حق ورائه مطالب، الحل لن يأتي لا من العرب و لا من الغرب، يا فلسطينيي، أطفئ الكمبيوتر، و واجه عدوك، فأنت وحدك، إذا بدأت اليوم، ستحصل على أرضك غدا، و إذا لم تبدأ أبدا، فلن تحصل على شيء، لا بمال العرب ستنتصر، و لا بمساندة أوروبا ستنتصر، أيها الفلسطيني المحتقر، وجه سلاحك لعدوك قبل أن تندثر، هيا أسرع، فلا أحد سيقوم بذلك بدلا منك، قم بثورتك، ماذا تنتظر؟

 

أعتذر للقراء الكرام لأنني أخذتهم في مقطعي الأخير إلى حلم الثورة، لأن الثورة لن تقوم بمثل هؤلاء الشباب الذين ألهتهم إنترنت، و لا بالمهاجرين الذين آثروا البزنسة في أوروبا على الجهاد في أرضهم، و لا بحكام العرب الأبديون الذين يخافون من أن تكشف أمريكا شذوذاتهم الجنسية، و لا بالإخوة الأعداء الذين يتقاتلون من أجل منصب وهمي، لقد كانت الدعوة للثورة مجرد حلم جميل، و أنا أعلم أن فلسطين لن تستقل و لا هم يحزنون، كيف تستقل إذا كان غالبية شعبها راضي بوضعه و مرتاح في العيش مع اليهودي و تحت إمرته، لأنه لو لم تكن له قابلية للإستعمار، لتزحزح لتغيير وضعه و سعى لتحرير أرضه، لكن حلم الثورة لا معنى له، لأن فلسطين لن تستقل.

بطون ساذجة
نشر الساعة: 03:53 م بتاريخ: 09/26/2007
الكاتب: رياض مصطفاوي

بطون ساذجة

 

كتب : رياض مصطفاوي

 

عندما كنت طالبا في كلية الصحافة، أخبرنا أستاذ بأن الكلب عندما يعض رجل فهو خبر شعبي، أما عندما يعض الرجل كلبا، فذلك خبر صحفي.

 

أذكر أنني طالعت في صحيفة يومية "لا أذكر عنوانها" منذ سنوات، خبر مفاده أن فخامة رئيس الجمهورية يتجول في شوارع العاصمة في زيارات مفاجئة و لكنه كان يجلس في المقعد الأمامي للسيارة "بجانب السائق" و لا يربط حزام الأمن، و ضل صاحب المقال ينتقد فخامة الرئيس و يعتبر أنه بمثابة قدوة سيئة للشعب لأنه لم يكن يربط حزام الأمن، و اعتبر أنه خارج عن قانون المرور و أن القانون لا يطبق عليه، فهو فوق القانون، و أذكر أن ذلك الخبر كان حديث بعض معارفي القدماء و لا أذكر حتى أسمائهم، و لكنني أذكر أن التعليق العام عن الخبر كان يتمحور حول عدم شرعية فرض حزام الأمن على المواطنين ما دام فخامة رئيس الجمهورية يتمرد على قانون المرور.

 

في جريدة أخرى أو نفس الجريدة لا أذكر بالضبط، شاهدت صورة لسيارة رئيس الجمهورية و لا يحتوي زجاج السيارة الأمامي على ملصقة قسيمة السيارات المستخرجة إجباريا من مصالح الضرائب كل سنة بعد دفع ضريبة حسب السيارة، كاتب التعليق عن الصورة يريد أن يعتبر فخامة رئيس الجمهورية متهرب من الضرائب لأن سيارته لم تحتوي قسيمة الضرائب، و طبعا من المؤكد أن الكثيرين تحدثوا عن ضرورة الإقتداء برئيس الجمهورية في عدم شراء قسيمة السيارات من مصالح الضرائب.

 

في إحدى المدن الداخلية التي لا تشترى فيها الجرائد إلا لمسح الزجاج أو للف الخضر و الفواكه، لاحظت أن الناس في يوم من الأيام يقبلون بكثرة على اقتناء جريدة مشهورة، إستغربت الأمر و اقتنيت نسخة أيضا، و في الصفحة الأولى عنوان مانشيت لملف حول الراتب الشهري لرئيس الجمهورية و بعض الإطارات السامية للدولة، أجزم أن كل نسخ تلك الجريدة التي أحترمها و التي تسحب ما يزيد عن نصف مليون نسخة يوميا قد بيعت ذلك اليوم من مجرد قراءة العنوان البراق.

 

بعد مرور ثلاثة أيام عن وفاة المغفور له بإذن الله نائب مدير المخابرات الجزائرية اللواء إسماعيل العماري، سألني ساذج، هل العماري توفي فعلا؟ كنت سأجيبه بسذاجة إلا أنني توقفت في اللحظة الأخيرة لأنني تذكرت أن من سألني ساذج، و أجبته بأن الذي مات هو العماري و ليس العماري، لأنني ببساطة خمنت أنه يقصد العماري المشهور و ليس العماري الظل، يقصد محمد العماري قائد أركان الجيش الوطني الشعبي سابقا و ليس إسماعيل العماري مدير المخابرات الداخلية رحمه الله، و بالفعل كان تخميني صحيح، و المضحك المبكي في الأمر أنني تلقيت نفس السؤال من أكثر من عشرة أشخاص في ذلك اليوم و اليوم الذي يليه، كلهم يعتقدون أن الذي توفي هو محمد و ليس إسماعيل لأنهم لا يعرفون إسماعيل أصلا، رغم أن خبر الوفاة أذيع في نشرات الأخبار في كل العالم، و فخامة رئيس الجمهورية نفسه ذهب لبيت الفقيد لآداء واجب التعزية، و نشر الخبر في كل الجرائد، إلا أن السذج لا يقرأون مثل هذه الأخبار، و لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التدقيق في خبر يهم مصير البلد بالدرجة الأولى نظرا لمنصب الرجل الإستراتيجي، و لا يعرفون حتى أن العماري الذي توفي هو برتبة لواء، و العماري الذي يعيش هو برتبة فريق، إنهم لا يفرقون حتى الرتب العسكرية.

 

المواطن لا يهتم بالأخبار التي تهمه، لا يهتم بمقالات تتناول إصلاح المنظومة التربوية، و لا المنظومة الصحية، و لا حتى المنظومة الغذائية، و لكنه يستهلك بكثرة و بكل نهم الشائعات العمومية و كشف الطابوهات، فأين رأى صديقنا الصحفي فخامة رئيس الجمهورية يتجول في أرجاء العاصمة الجزائرية دون ربط حزام الأمن؟ أو أنه سمع مجرد دعابة في المقهى و قام بتسويقها؟ و حتى و إن كان فعلا رأى فخامته فعلا دون حزام الأمن؛ كم من مواطن في الجزائر كان يلتزم بربط حزام الأمن قبل سنوات؟ لا نكذب على بعضنا، فنحن نعيش وسط الشعب، و نعرف جيدا كيف يفكر الجزائري و كيف كانت تسير الجزائر، حزام الأمن لم يكن يحترم أبدا، و لا باقي قوانين المرور كانت تحترم و لا حتى أية قوانين أخرى، لأن الجزائري كان يقبل دفع 120 دينار غرامة على أن يربط حزام الأمن، و 120 دينار لمن لا يعرف العملة الجزائرية لا تتجاوز قيمتها 1,2 يورو، و لم يجبر الجزائري على احترام قانون المرور إلا بعد صدور تعاليم قانون المرور الجديدة و التي تنص على السحب المؤقت أو النهائي لرخصة السياقة حسب المخالفة، فلماذا نغطي الشمس بالغربال و نهتم بخبر لا يهمنا في شيء.

 

سيارة رئيس الجمهورية من دون قسيمة السيارات، هل بحث صاحب التعليق عن قوانين المالية؟ هل يعرف أن السيارات النظامية لأجهزة الأمن معفية من شراء القسيمة لأنها تؤدي خدمة عمومية؟ و إن لم تكن السيارة نظامية؛ هل تسائل عن إمكانية أن تكون القسيمة مخبأة مع وثائق السيارة في جيب السائق كما كان يفعل كل الجزائريين حيث كانوا يفضلون حفظها مع بطاقة التسجيل؟ أو أنه البحث عن مخالفة فحسب، البحث عن خبر يستهلكه الساذج و يسهل هضمه، أنا لا أعاتب الصحافيين، لأنهم قاموا بعملهم بكل ذكاء، فأعطوا القارئ ما يحب أن يستهلك، و لكنني أتكلم عن بطن القارئ الساذج الذي يستهلك أطعمة لا تسمن و لا تغني من جوع، لكن البطن ساذج كصاحبه، يريد الأكل الحلو و لو كان خال من أية قيمة غذائية، فمتى يسعى الساذج للرقي بذوقه؟ متى سيبحث عن الغذاء المفيد لروحه و يختار من الأخبار ما يهم تعليم أولاده و صحة عائلته و نظام غذائه و مستقبل بلده و مصير أمته، و يترك عنه الإهتمام الفارغ براتب الوزير، و مكافئة الرئيس و يترك التساؤل عن قوة محرك سيارة فخامته، و عن عشائه قبل أسبوع، و عن نوع خشب غرفة نومه و إن كان يفضل الأحذية الفرنسية أو الإيطالية؟ متى سيترك عنه ما لا يهمه إلى ما يهمه؟ أرجوكم؛ لا تقولوا أن سؤالي ساذج.

إحراق أقنعة بن لادن
نشر الساعة: 05:12 م بتاريخ: 09/25/2007
الكاتب: رياض مصطفاوي

إحراق أقنعة بن لادن

 

كتب رياض مصطفاوي

 

يوم الحادي عشر من سبتمبر سنة ألفين و واحد، سطع في الساحة نجم جديد من نجوم فن السياسة و صنع الأحداث في العالم، نجم، أسامة بن لادن، المتهم الأول في قضية هجوم برجي مركز التجارة العالمي بمنهاتن و مقر وزارة الدفاع الأمريكية بواشنطن دي سي، فتح ذلك المجال للإدارة الأمريكية لتبرير حرب مفتوحة بلا حدود على المسلمين المتمسكين بدينهم في العالم، أصبح الإسلام في العالم نوعين:

 

إسلام أكاديمي: و هو ما تريده الولايات المتحدة الأمريكية حيث تحب الحفاظ على حرية المعتقد كمبدأ من مبادئ الديمقراطية، لكن أن لا يتجاوز الإسلام الشهادتين و الصلاة و الصوم و الحج و الزكاة بالخبز للفقراء فقط، أما أي شيء أكثر من هذا فيدخل في خانة النوع الثاني من الإسلام.

 

إسلام عقائدي : و هو اتخاذ دين الإسلام كعقيدة شاملة تشمل الحياة الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية و العسكرية، و يسمى في قاموس أمريكا للقرن الواحد و العشرين إرهابا، و كل من يتشدد لهذا النوع فهو إرهابي في نظر القاموس الجديد الذي ابتكره بوش، و الله أعلم إن كان من ابتكاره فعلا أو فرض عليه تبنيه، و لكن هذا ليس موضوعنا.

 

مرت سنة إلا بضعة ايام، و الإدارة الأمريكية تتهم و القاعدة تنفي علاقتها بالهجومين، إلا أن أطل علينا الشيخ أسامة بن لادن بشريط بثته قناة الجزيرة يعرض فيه تفاصيل التحضير لما أسماه غزوتي نيويورك و واشنطن، إعترف دون أدنى ضغوطات، إعترف دون تحقيق، و قدم الدليل على نفسه، و أصبح بذلك بطل شعبي من الدرجة الأولى، أصبح بطل العرب و المسلمين و حتى الأوروبيين، إعتبره الملايين من المستضعفين من المسلمين مخلصهم عندما سمعوه يعتبر الغزوتين المزعومتين مجرد تحذير و وعد و توعد بحرب ناسفة على ما يسميهم بالكفار، إستطاع إعلاميا أن يصبح أشهر رجل في العالم، و بأي شرف؟ أصبحت صوره تطبع على الملابس، و تتناقل عبر الهواتف النقالة، و تزين خلفيات الكمبيوتر، و حتى في المحلات العمومية. أرجح أن بريتني سبيرس كانت تحسده على احتلاله المرتبة الأولى بين الشخصيات الأكثر ذكرا في وسائل الإعلام العالمية، تمرالسنوات، تحتل أفغانستان من طرف أمريكا و حلفائها، يجري البحث عن أسامة و القاعدة، لا أحد، و كأنهم أطياف اختفوا بمجرد إشعال الأضواء، لكن الزعيم المزعوم بقي يراسل وسائل الإعلام من حين لآخر، و أذكر أن مجرد الإعلان عن تلقي قناة الجزيرة لتسجيل من بن لادن يجعل الجميع يتركون كل شيء و يتسمرون أمام التلفزيون في هدوء تام و يتابعون كل حرف من كلماته، و الهرمونات تصبغ وجوههم باللون الأحمر، و في نفوسهم كلمة واحدة "يا بطل"، بأي شرف؟

 

سنة 2003، سقوط بغداد، كالعادة، العرب يتحسرون، لكن بغداد تسقط رغم حسرتهم، يستنكرون، لكنها تسقط، ينددون، لكنها تسقط، للأسف؛ ما باليد حيلة، لقد فعلو كل ما بوسعهم، تحسروا و استنكروا و نددوا، لقد استخدموا كل مخزونهم من أسلحة الحسرة و الإستنكار و التنديد، لكن الحظ لم يحالفهم، أمريكا لم تسمعهم جيدا لأنها كانت تشغل موسيقى المدفعية على إيقاعات الصواريخ، أصبحت الأمور كلها بيد الأمريكان في العراق، و من الطبيعي أن يقاوم الشعب العراقي الإحتلال، لكن الحدث كان فرصة جيدة لتنظيم القاعدة ليعيد بعث حربه الإعلامية، ليس بغزوات مزعومة و لا حتى بمجرد تسجيلات فيديو، و لكن بطريقة تجارية، و هي بيع ترخيص لتنظيم أبو مصعب الزرقاوي لاستخدام علامتها التجارية، و أعلن بذلك ميلاد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، التنظيم الذي تزعمه الشاب الأردني الذي اشتهر بالإجرام و القرصنة في صغره، خريج السجون، يحصل على ماركة تجارية جديدة بالمجان، الثمن الوحيد الذي عليه دفعه مقابل طبع شعار العلامة التجارية للقاعدة على وثائقهم و ديكوراتهم هو القيام بعمليات تشتهر على مستوى العالم و تتحدث عنها الجزيرة، و استحق بذلك أبو مصعب الزرقاوي لقب بن لادن الصغير و أصبح البطل الجديد في أعين المستضعفين المسلمين، بأي شرف؟

 

سنة 2006، لبنان تحت رحمة القصف الإسرائيلي، و إسرائيل تحت رحمة قصف حزب الله، كل كاميرات العالم تتجه لتصوير الحدث، و أعين المستضعفين المسلمين تتجه مرة أخرى إلى بطل جديد، بطل حزب الله حسن نصر الله، الذي واجه بكل جرأة الأسطورة الشرق أوسطية إسرائيل، و بدأت صوره أيضا تعلق في الأماكن العمومية الشعبية من محلات و وسائل نقل، إنه الناصر الجديد للأمة، لكن هذه المرة؛ و لاختلاف في التوجهات بين السنة و الشيعة، لم يشتري حزب الله ماركة القاعدة، بل ظل يستخدم ماركته الخاصة راسما بذلك صورة لبطل شعبي فاعل، و كما أنه لا ستوجب على كل الفنانين المرور عبر القاهرة للوصول إلى المجد، لم يمر نصر الله على القاعدة لاكتساب شعبيته، و بأي شرف؟ لم ينال شرف القول بل شرف الفعل.

 

الجماعة السلفية للدعوة و القتال بالجزائر، منذ 1992 إلى يومنا هذا، قتلت مئات الآلاف من الأبرياء، دمرت مئات المرافق، إغتصبت مئات العذارى، شردت آلاف العائلات، يتمت عشرات الآلاف من الأبرياء، الخسائر لا يمكن حصرها، الجميع تضرر بشكل أو بآخر، الغني و الفقير، المثقف و محدود الثقافة، الإسلامي و اللائكي، الصغير و الكبير، المدني و العسكري، إنه الدمار الشامل، لا يمكن لأحد في العالم أن يناصر الفاعل، لا يمكن لأحد أن يقول أن ما فعله الإرهاب بالجزائر مبرر، اليوم الحمد لله، الأمور تحسنت كثيرا، و استعادت الجزائر استقرارها بسبب صمود شعبها و وحدته أولا، و بفعل قيادتها السياسية و العسكرية ثانيا، لكن في ظل الإستقرار تحصلت الجماعة السلفية للدعوة و القتال على ترخيص لاستعمال العلامة التجارية لتنظيم القاعدة في المغرب العربي، بأي شرف؟ بشرف الرصيد المسبق من الإغتيالات و التفجيرات الإغتصابات و الإعتداءات و التدمير الذي مس البلد في كل جوانب الحياة، نفس التنظيم الذي قام منذ سنوات قليلة باختطاف سياح ألمان و طالب بفدية، قام مؤخرا بمحاولة اغتيال فاشلة لعمال فرنسيين ذنبهم الوحيد أنهم في الجزائر لتوفير لقمة عيشهم، إنها مجرد فرقعة لجلب الإنتباه، إن طلب الفدية عن السياح الألمان – سواء حصلوا عليها أو لم يحصلوا - يثبت شيء واحد، أن عقلية التنظيم عقلية تجارية محضة، همهم المال فقط، و تحت هذا اللواء، حصلوا على ترخيص لاستخدام علامة القاعدة، فالجماعة السلفية للدعوة و القتال كانت تعمل على مستوى محلي، أصدائها لا تتعدى وسائل الإعلام الوطنية إلى جانب بعض الإشارات السريعة في وسائل الإعلام الأجنبية، و لكن بامتلاكها لترخيص القاعدة فهي تتمتع اليوم بشهرة تفوق توقعاتهم، أصبحت جرائمهم تتقدم الأخبار في أثقل وسائل الإعلام وزنا في العالم، بأي شرف؟

 

بأي شرف؟

بأي شرف قام أسامة بن لادن باغتيال 3000 مدني في برجي مركز التجارة العالمي في منهاتن؟ هل أعدائه هم موظفي المصارف و الإدارات و الشركات في نيويورك؟ هل هؤلاء الأجراء أرباب العائلات هم من يقودون الحرب على المسلمين؟ ألم يكن يعلم بأن البنتاغون مصفح و يحتمل كل أنواع الإصابات؟ ألم يكن يعلم بأن مواقع أصحاب القرار في البنتاغون محمية و المكاتب المكشوفة للموظفين الإداريين فقط؟ هل الأهداف إستراتيجية فعلا؟ هل تسائل الذين اعتبروه بطلا إن كانت الأهداف المصابة ذات فوائد إستراتيجية لنصرتهم؟ لماذا لم يقوم بن لادن بتوجيه ضربته للموساد أو الكنيست في إسرائيل مثلا؟ لماذا لم يوجهها لأهداف عسكرية في أمريكا؟ لماذا ترك أعدائه الحقيقيين و اتجه للمدنيين؟ أو أن المدنيين هم أعدائه الحقيقيين؟ فليذكر أنصار بن لادن كيف كانت المرأة في أفغانستان تعدم في ملاعب كرة القدم على مرأى الآلاف ثم يشهر بجثتها و ربما لم ترتكب أي ذنب، فليذكروا كيف كان الحد المزعوم يقام علنا بكل همجية و وحشية و جاهلية.

 

بأي شرف؟

بأي شرف قام الزرقاوي في حياته و من خلفه من بعد، بتقتيل الأبرياء في العراق؟ تفجيرات، إختطافات، إغتيالات، و تشهير إعلامي بكل ذلك، و لا يمس الأمريكان إلا على سبيل الخطأ، العراقيين فقط يموتون بكثرة، و الأمريكان؛ نادرا. على أية مقاييس يعتمد التنظيم في اختيار أهدافه؟ المدنيين مرة أخرى في مرمى الصياد، و أي صياد؟

 

بأي شرف؟

بأي شرف قامت الجماعة السلفية للدعوة و القتال باغتيال أبناء الشعب الجزائري و تخريب ممتلكاتهم و اغتصاب حرماتهم؟ هل يذكر العالم فعل واحد فيه بطولة للجماعة؟ هل يذكر لهم هدف نبيل واحد؟ أو حتى مجرد كلمة يبررون بها ما يقومون به؟ هل صحيح أن الشعب الجزائري كافر و هم يطهروه من كفره؟ ذلك يجعلنا نطرح التساؤل، على أي أساس سمح بن لادن باستخدام علامته التجارية من طرف الجماعة السلفية للدعوة و القتال في الجزائر؟  أو أنه باعها بالمال؟ هل فعلا هو مقتنع بأهداف الجماعة السلفية للدعوة و القتال؟ أو هل لهذه الجماعة أهداف أصلا؟

إما أن بن لادن لا يعرف شيء على الجزائر و على شعب الجزائر المسلم و أقنعته الجماعة السلفية للدعوة و القتال بتوحيد الأهداف معه، و بالتالي فهو يعيش كالأعمى لا يعرف شيئا عن العالم، و إما أنه يعرف كل التفاصيل و لكن تقتيل المدنيين الأبرياء يسري في دمه و هو متعطش لدماء الضعفاء العزل، و ذلك الإحتمال الأرجح، هل نعتبر عملية باتنة في الجزائر عملية ذات هذف إستراتيجي؟ الساذج الذي يعرف أدنى مقاييس أمن حماية الشخصيات المهمة تؤكد له معرفته  الساذجة  بأن الوصول إلى أغتيال رئيس جمهورية أمر مستحيل، هل تجهل القاعدة في الجزائر ذلك؟ طبعا إنهم يعرفون جيدا إستحالة الإغتيال تقنيا، لكن الهدف لم يكن فخامة رئيس الجمهورية الجزائرية حفظه الله للأمة، و لكن الهدف كان الشعب الأعزل و المواطنين الأبرياء.

 

إن بن لادن من خلال علامته التجارية "القاعدة" التي تملك فروعا لها في عدة مناطق من العالم، تبنى قتل الأبرياء في أفغانستان و أمريكا و العراق و الجزائر، إن حربه معلنة على المدنيين و ليس على قوى العالم الغربي، و المتأمل في ذلك يرى كل الشواهد و الأدلة تثبت تورطه في قتل الآلاف من العزل، و تبرئته من الحرب على قوى الغرب، هذا هو شرف بن لادن، و ربما عن قريب سيتم تأسيس تنظيم القاعدة في أرض المقدس لتقتيل الأبرياء في فلسطين تحت قيادة خريج سجون يدعى الصفراوي أو الخضراوي أو السوداوي أو البرتقالاوي على وزن الزرقاوي، أو بقيادة مريض نفسي يدعى أبو مرهب أو ابو مرعب أو أبو مخلب أو أبو مضرب على وزن أبو مصعب، و بذلك سيحصل بن لادن على كل الشرف

عجائب الدنيا و عجائب الآخرة
نشر الساعة: 01:24 م بتاريخ: 09/19/2007
الكاتب: رياض مصطفاوي

عجائب الدنيا و عجائب الآخرة

كتب: رياض مصطفاوي

يشهد العلم منذ بدء الخلق تطورا لا يتوقف عن المضي قدما للرقي بالإنسانية في مختلف المجالات، و نجح الإنسان عبر التاريخ في تدوين العديد من الإنجازات في سجل ذاكرة البشرية التي لا تمحوها السنين و لا القرون و لا حتى العصور. و من أهم ما دون التاريخ للإنسان عجائب الدنيا السبع؛ التي يعتبرها المؤرخون أهم إنجازات البشرية عبر العصور، و هي:

-منارة الإسكندرية بمصر: هذه المنارة التي بنيت من الرخام بين عامي 297 و280 ق.م، كانت أول منارة عرفها التاريخ. وكان الغرض من بنائها هو تنبيه و توجيه البحارة عند سواحل مصر المنخفضة. كان النور المنبعث من النار الموضوعة في قاعدة المنارة ينعكس من المرايا النحاسية كضوء يتجه إلى المناطق المحيطة.

-تمثال شيوس : شيده المثال اليوناني فيدياس عند معبد أولومبيا. تقول الأسطورة اليونانية بأن شيوس كان ملك الآلهة الغاضب الذي قذف أعداءه بالصواقع. ولد فيدياس. وهو مثال يوناني شهير. في عام 940 ق.م، قام بصنع تمثال (غير موجود الآن) لبطله ليزين به المعبد الذي شيده عام 456 ق.م، والذي لا تزال آثاره باقية حتى اليوم.

-تمثال رودوس : صنع هذا التمثال البرونزي الضخم لإله الشمس هليوس. والذي أقيم في مكانه المطل على المرفأ. من قبل النحات كارس في نهاية القرن الرابع. بقي التمثال قائما في مكانه حتي 200 سنة قبل الميلاد قبل أن يسقط بفعل الزلزال. وبقى مطروحاً هناك حتى عام 654م عندما استولى عليه نجار للخردوات المعدنية ونقله لسوريا.

-معبد آرتميس : شيده كرويسوس ملك ليديا (560-546 قبل الميلاد) حوالي عام 550 قبل الميلاد. يعتبر هذا المعبد أول معبد مبني من الرخام وكان في وقت من الأوقات أكبر معبد في آسيا الصغرى. ولم يتبق منه اليوم إلا عمود واحد في سلكوك التي تبعد مسافة 45 دقيقة مشياً عن موقع أفسوس على الساحل الغربي لتركيا.

-ضريح هاليكارناسوس : هذا الضريح شيد في المستعمرة اليونانية هاليكارناسوس، والواقعة على الجانب التركي من بحر إيجه. من قبل زوجة الحاكم الفارسي ماوسولوس إحياءً لذكراه. وكان عبارة عن معبد ضخم يعلوه هرم مدرج. ولقد بقي سليماً نسبياً لمدة 19 قرناً قبل أن يقوم الصليبيون بهدمه ليستخدموا حجارته في البناء في عام 1552م. لا يوجد في موقعه الآن سوى حديقة بها عدة آثار من الرخام.
-حدائق بابل المعلقة بالعراق : كانت بابل عاصمة الإمبراطورية البابلية "عراق اليوم". و أقيمت فيها الحدائق المعلقة، و هي في الحقيقة ليست معلقة و إنما كناية على حدائق أقيمت فوق أسطح الطوابق المكونة للشبه الهرم أو القصر، و يكمن العجب فيها في التقنية التي كانت تستخدم لرفع الماء لعلو شاهق لسقي تلك الحدائق، ونسبت الحدائق إلى سميراميس زوجة الحاكم، موقعها الحقيقي غير معرف بالضبط، لكنه تم اكتشاف بعض الغرف وبداخلها آلات رفع ماء، هذه الغرف التي كانت جزءاً من قصر نبوخدنصر الذي بني لاحقاً.

-أهرامات الجيزة بمصر: شيدت بين عامي 2550 و 2480 قبل الميلاد كقصور تدفن فيها الملوك، وهي لا تزال تقف على الضفة الغربية لنهر النيل. بالرغم من التلوث المنبعث من مدينة القاهرة والذي يتسبب في بلاء أحجارها، و تعتبر أهرامات الجيزة آخر ما تبقى من عجائب الدنيا السبع.

فعلا، خسارة للبشرية فقدان تلك الإنجازات التاريخية، خسارة للبشرية جمعاء، لكن، على أي أساس اعتمد في تصنيفها؟ هل هي فعلا أعظم الإنجازات في التاريخ ليعتبرها المؤرخون و الأنثروبولوجيون عجائب الدنيا؟ مقارنة مع الإمكانات الفكرية و المادية المتوفرة في تلك العصور؛ ممكن أن نعتبرها مهمة، لكن المشكلة القائمة هي أنه بخلاف أهرامات الجيزة لا توجد أدلة قاطعة على حقيقة وجود تلك المعالم، لا توجد إثباتات كاملة، كل المعلومات المتوفرة عبارة عن تقارير مؤرخين و رحالة من العصور الغابرة يقولون أنهم زاروا تلك المعالم، و يقدمون وصفا لها، و من ثم قام المؤرخون و علماء الآثار في عصرنا الحديث بالبحث عن أطلال تلك المعالم، وجدوا بعض الآثار، لكن بسبب قلة الآثار لا يمكن الجزم بصحة عظمة المعالم المسماة عجائب الدنيا، و رغم كل ذلك سنبني مقالنا هذا على فرضية أن تلك المعالم كانت موجودة فعلا و بالمواصفات المعروضة في الصور التخيلية المتداولة للعجائب المزعومة. و لنتساءل؛ هل هي فعلا أعظم إنجازات البشرية؟ لماذا لا يكون المعلم العظيم سور الصين من ضمن العجائب؟ رغم أنه أعظم بناء بشري قائم لحد الآن، و يكفيه امتيازا أنه البناء البشري الوحيد على سطح الأرض الذي يمكن رؤيته حتى من على سطح القمر بالعين المجردة، و لماذا لم تصنف أول عمارة شاهقة في التاريخ و الموجودة في العاصمة اليمنية صنعاء كأحد عجائب الدنيا؟ و لماذا لم يصنف الهيكل الحديدي المكون من قضبان مترابطة في شكل هندسي دقيق و المكونة لبرج إيفل بباريس و البالغ ارتفاعها أكثر من 300 متر كمعلم من المعالم العجيبة؟ و لماذا لم تصنف أيضا كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان؟ و لماذا لم تصنف عماد إرم التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ و لماذا لم يصنف هيكل سليمان كمعلم عجائبي مفقود؟ و الأهم من ذلك؛ لماذا لم تصنف قبلة المسلمين الكعبة الشريفة كمعلم من معالم الدنيا العجائبية؟ رغم أنها بنيت منذ آلاف السنين و لا زالت تحافظ على بنيتها و قداستها إلى غاية اليوم، و هي قطب يلتفت إليه أكثر من مليار مسلم عبر العالم على الأقل 5 مرات في اليوم. أو أن العجائب تخص المعابد و الأصنام الوثنية فقط؟ و لنذهب إلى عصرنا الحديث؛ لنتأمل معالم الدنيا، إنجازات البشر، ناطحات السحاب في نيويورك و طوكيو و هونغ كونغ، ملاعب الكرة العملاقة، الطرق السريعة، المصانع الضخمة، المساجد، القصور، فن العمارة الذي وصل إلى قمة مجده الفني، و مازال الإنسان يبني أعلى و أوسع و أفخم. لكن؛ لماذا نربط عجائب الدنيا بالحجر و الرخام و الإسمنت؟ لماذا لا نتوسع في هذا المصطلح و نعطيه بعده اللفظي الحقيقي؟ ألا يعتبر التلفزيون من عجائب الدنيا؟ ألا يعتبر الكمبيوتر كذلك؟ إنجازات الطب، الفيزياء، الكيمياء، الميكانيكا، الإتصالات، الطيران، غزو الفضاء، ألا نعتبر كل ذلك عجائب؟ إن أرخص كمبيوتر متوفر الآن في السوق يفوق في تعقيد تقنيته آلاف المرات تقنية بناء أي معلم من معالم عجائب الدنيا السبع، فعلا إن العصرين مختلفين لكن ذلك لا ينفي الفرق في العظمة التقنية و التباين في الفائدة الخدمية، مع العلم أن الدنيا اليوم مليئة بالعجائب التقنية التي تحيط بنا من كل جانب و لكننا لا نتأملها عادة.

البشر أنجز الكثير، أليس كذلك؟ لكن، لنتأمل إنجازات تفوق إنجازات البشر، بل أن البشر في حد ذاته يعتبر مجرد إنجاز من تلك الإنجازات، البشر المكون من مليون مليار خلية، "1.000.000.000.000.000 خلية"، و ستة ملايير إنسان في الأرض مكونين من 6.000.000.000.000.000.000.000.000 خلية، و يفقد الإنسان في الدقيقة 7.500.000.000 خلية، أي 450.000.000.000 خلية في الساعة بمعدل 10.800.000.000.000، و نظرا لديناميكية الكيمياء الحيوية يعوض الإنسان كل تلك الخلايا المفقودة إلا خلايا المخ فإنها لا تعوض، 500.000 صورة يتم تخزينها في الدماغ يوميا، ويمكن تخزين 90 مليون مجلد في الدماغ، توجد في معدة الإنسان 35.000.000 غدة إفراز، و عن أحاسيس الإنسان، فإنه يملك 140 مستقبل للضوء في العين الواحدة، أي 280 مستقبل للضوء في كلتا عينيه، و يملك 4.000.000 جهاز للألم، و 500.000 جهاز للمس و الضغط، و 200.000 جهاز لتحسس الحرارة، يضخ القلب 6.500 لتر من الدم يوميا، أما قلب المرأة الحامل فيضخ 15.000 لتر في اليوم، و الجنين في رحمها يزداد حجمه منذ بداية التلقيح إلى الولادة 3.000.000.000.000 مرة، و في لحظة الولادة يفرز الجنين هرمون يسمى هرمون النسيان يتركه في رحم أمه و يجعل جهازها العصبي ينسى آلام الولادة بعد خروج الجنين، إن الجنين بقي في رحم أمه 9 أشهر في محيط مغلق من السوائل، لا يتنفس، لكن عند خروجه، لن يبقى على قيد الحياة إذا أعيد إلى نفس المحيط لدقيقة واحدة، هذه بعض الحقائق البسيطة عن الإنسان المكون من كل تلم الأرقام و أكثر منها، و لنضرب كل رقم من تلك الأرقام في ستة ملايير، الرقم مذهل، أليس كذلك؟ هل يجد العلم تفسيرا علميا لكل تلك الحقائق و غيرها من الحقائق الكثيرة التي يعرفها الإختصاصيون و لم يتم ذكرها في هذا المقال؟ إن لم يجدوا و لن يجدوا، أدعوهم إلى الإعتراف بالحقيقة بطريقة علمية، إلى الإعتراف بالعلم الحقيقي، إلى القول؛ سبحان الله.
هذا الإنسان، العجيب، حير العلماء رغم ادعائهم بأنهم يجدون التفسيرات الفيزيوبيولوجية لكل وظائفه الحيوية، و هم في الحقيقة يكتشفون الوظائف لكن لا يجدون تفسيرا لها، فكيف الأمر إذا بحثنا في مملكة الحشرات و مملكة الحيوان و مملكة البحار و مملكة الطيور و مملكة النبات، الحديث على عجائب خلق الله في الأرض يتطلب الموسوعات و الموسوعات و لا ينتهي، و أدعو الجميع للبحث في الإكتشافات العالمية و التسبيح لله، مع العلم أن ما تم اكتشافه إلى غاية اليوم لا يمثل حتى قطرة من بحر الحقيقة الواسعة، هذه مملكة الأرض تحير العلماء، و يعجزون على اكتشاف كل شيء فيها رغم التطور التكنولوجي الموضوع تحت تصرفهم، و أتشجع بالقول بأن حياة عالم يمضي من حياته 60 سنة في البحث في علم الحشرات و يخصص كل تلك السنوات لدراسة النمل لن تكفيه ليعرف كل شيء عن تلك الحشرة التي تبدو ضعيفة، و يمكننا أن نتخيل أن العالم فيه ملايين الأنواع من الحشرات، و الحيوانات و الأسماك و النباتات، و ربما أنواع أخرى من المخلوقات ليست إنس و لا جن و لا حيوان و لا نبات و لا سمك و لا طير؛ لم يتم اكتشافها بعد.

إن الأرض عظيمة، تتجلى فيها قدرة الله سبحانه على الإبداع، و لكن؛ لنتذكر أن الأرض في هذا الكون هي مجرد ذرة رمل في صحراء شاسعة، ما حجم الكون إذن، و ما حجم العجائب التي فيه؟ الله وحده أعلم، و سبحان الله العظيم.

الأرض عظيمة، و مليئة بالعجائب، لكن الكون أعظم بكثير، و مليء أيضا بالعجائب الأعظم من عجائب الأرض، لكن كل تلك العجائب هي في الواقع ليست عجائب، إنها أشياء عادية، أشياء الدنيا، لكنن بسبب ضعفنا نعتبرها عجائب، إن العجائب الحقيقية موجودة عند الله، و لن ندركها إلا في الآخرة، و نتمنى أن ندرك منها عجائب الجنة و لا ندرك عجائب النار، الجنة، مراد الجميع، تلك التي عرضها السماوات و الأرض، أي أن عرضها بحجم الكون الذي تعتبر الأرض ذرة رمل في صحرائه الشاسعة، الجنة ذات الأبواب الثمانية العظيمة، ذات الأبنية العالية، غرفها كالكواكب في العلو و الإرتفاع، و خيمها لآليء مجوفة، لكل مؤمن فيها خيمة هي عبارة عن لؤلؤة طولها في السماء ستون ميلا، فما هو حجم أعظم لؤلؤة على وجه الأرض؟ تلك خيام الجنة، أما قصور الجنة فهي من ذهب و لؤلؤ و زمرد و فضة، و تربة الجنة من مسك و درمكة بيضاء و زعفران، تنفجر فيها عيون الماء كل حين تارة ممزوجة بالكافور و تارة ممزوجة بالزنجبيل، و تجري في الجنة أنهار من ماء غير آسن، و أنهار من لبن لم يتغير طعمه، و أنهار من عسل مصفى، و أنهار من خمر لذيذ للشاربين، و ألفت النظر هنا أن خمر الجنة يختلف عن خمر الدنيا، لأن خمر الدنيا خبيث و كريه، و خمر الجنة طيب و لذيذ، و في الجنة فاكهة و أشجار من كل لون و نوع، و هي لا تشبه خيرات الدنيا إلا في الإسم فقط، و لا أحد من أهل الدنيا يستطيع حتى مجرد تخيل طعمها و لا لونها لأن الإبداع في خلقها يتجاوز قدرة العقل البشري فلا يعلم ذلك إلا خالقها سبحانه، و ما يميز شجر الجنة أن سيقانها من الذهب، و في الجنة كل ما تشتهي الأنفس، و فيها الحور العين الناعمات حيث لم يخلق الله مثلهن في الدنيا، فأين حسناوات الدنيا من حور الجنة، و يجعل الله أهل الجنة في أكمل صورة خلق عليها البشر، و يجعلهم جميعا شباب في الثلاثة و الثلاثين من العمر لا يهرمون، و من صفاتهم أنهم لا ينامون و لا يبصقون و لا يتمخطون و لا يتغوطون.

و أريد أن أشير إلى أن مواد الجنة تختلف عن مواد الدنيا، فكل مواد الجنة صافية من أية شوائب أو اختلاط، كل شيء في الجنة حقيقي و ما مواد الدنيا إلا تشبيهات في الإسم لمواد الآخرة، فغلا الخمر مثل الخمر، و لا الفاكهة مثل الفكاهة، و لا الشجر مثل الشجر، و لا اللبن مثل البن، في الدنيا كل شيء ينفع و يضر، و في الجنة لا شيء يضر أبدا بإذن الله سبحانه.

تأمل أخي و تأملي أختي؛ أين هي عجائب الدنيا من عجائب الآخرة؟
آخر الرجال المحترمين واحد من المليار: بين الإعدام و الإغتيال
نشر الساعة: 04:41 م بتاريخ: 12/31/2006
الكاتب: رياض مصطفاوي

آخر الرجال المحترمين واحد من المليار: بين الإعدام و الإغتيال

في اغتيال صدام حسين رسالة لكل عربي يقول لا، إنه الإرهاب بعينه

كتب رياض مصطفاوي

توطئة: "من المفروض بي ككاتب صحفي و خاصة كرئيس تحرير أن أكون أكثر احترافية و موضوعية و إلغاءا للذاتية و العواطف من أي شخص غير محترف يكتب مقالات، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أسمح لعواطفي بالمشاركة في الكتابة، ربما لأن عواطفي تأثرت أكثر من تأثر عقلي بهذا العمل الشنيع، أو ربما أن ما قلته هو نابع أصلا من عقلي و ليس من عواطفي، و بين الخاطرة و المقال؛ أبدأ على بركة الله"

أولا أود أن أتقدم بتعازي الشعب الجزائري العربي المسلم إلى الأمة الإسلامية جمعاء عن فقدانها لآخر الرجال المحترمين صدام حسين

ذلك الرجل، الذي ليس كباقي الرجال، الرجل الذي تحدى لوحده عبر التاريخ، و لم يلقى يوما الدعم من أية جهة، الرجل الوحيد الذي قال لا و ألف لا للأمركة و الصهينة، الرجل الذي فضل الإنكسار على الركوع، إن لله و إن إليه راجعون

الزعيم صدام حسين، هل أعدم أو اغتيل؟ هذا ما سنجيب عنه في المقال الحالي؛

مسرحية تمهيد الطريق، التنحية أو الإنقلاب؟

أولا سنتطرق للطريقة التي أبعد بها الرجل المحترم من منصبه، التنحية أو الإنقلاب؟ في نظام حكم مستقر، على أرض الرافدين، تقوم قوة أجنبية باحتلال تلك الأراضي دون سبب وجيه، متذرعة بامتلاك ذلك البلد لأسلحة من شأنها أن تشكل خطرا على المنطقة (يقصدون على الكيان الصهيوني) و على العالم (يقصدون على أمريكا حامية الكيان الصهيوني)، و رغم أن عملية الإقتحام "الأمريكوبريطاني" للعراق سبقتها لجان تحقيق دولية حول وجود تلك الأسلحة من عدمها و أثبتت تلك اللجان التي كانت تملك كل الصلاحيات للتفتيش و التحقيق أين تريد و مع من تريد في أرض الرافدين، أنه لا وجود لأسلحة دمار شامل، إلا أن صاحبة الإرادة أمريكا قررت اقتحام العراق على كل حال، مهما كانت نتائج تلك التحقيقات، و في حقيقة الأمر إن لجان التحقيق التي أرسلت إلى العراق أدت مهامها على أكمل وجه، و مهمتها الأساسية السرية التي كلفها بها البيت الأبيض هي التجسس على أرض العراق، و تحديد منظومته الدفاعية و تدمير كل سلاح قد يصلح للدفاع على الوطن، و ذلك من أجل تهيئة الطريق أمام القوات الأمريكية للدخول إلى وطن لا يملك أية منظومة دفاعية من أي نوع، أي أن مهمة لجنة التحقيق الدولية كانت تجريد العراق من السلاح بغرض تسهيل احتلال العراق من طرف المستعمرين، و هل تمنح جائزة نوبل للسلام للبردعي بالمجان؟

بعد نجاح خطة الإحتلال و دخول بغداد كان من الطبيعي أن يختفي صدام حسين عن الأنظار، و كان في استطاعت الرجل المحترم أن يطلب اللجوء السياسي لأي بلد في العالم، و كان أي بلد في العالم سيقبل به كلاجئ سياسي، حتى أمريكا و بريطانيا لو طلب ذلك، لكن الرجل فضل البقاء في العراق و بجانب شعبه حتى مختفيا لأنه محترم، و فضل التمسك بمنصبه كرئيس جمهورية، و بقي قانونا رئيس لجمهورية العراق إلى غاية آخر لحظة في حياته، رغم تكرر عبارة "الرئيس السابق" في كل وسائل الإعلام العالمية، إلا أن الرجل المحترم صدام حسين كان و بقي رئيسا لجمهورية العراق إلى غاية استشهاده، و الآن منصب رئاسة الجمهورية يعتبر قانونا شاغرا، و يجب أن يبقى شاغرا إلى غاية استقلال العراق عن أمريكا،

قد يتساءل متسائل؛ كيف يبقى صدام حسين رئيسا للعراق؟ و أنا أجيب، إن خلع أي رئيس جمهورية من منصبه يتم إلا بتغييره عن طريق الإنتخابات، أو عن طريق الإنقلاب على نظام الحكم، و في حالة صدام حسين، لم تجرى أية انتخابات لتغييره بغيره، و لم يتم أي نوع من أنواع الإنقلاب عليه، على الأقل في ظل الإستقلال، لأن أي نوع من أنواع التنحية أو الإنقلاب يجب أن تكون من طرف العراقيين شعبا أو عسكريين، أما في حالة صدام حسين فإنه رئيس جمهورية، إحتلتها أمريكا، و من الطبيعي أن تبحث عن زعماء تلك الجمهورية لمحاصرتهم و التقليل من أخطار تزعمهم لمقاومة و حركة تحررية، و نجحت في ذلك، أي أنها نجحت في اعتقال نظام الحكم، و ليس في إسقاطه، لأن إسقاط نظام الحكم بأي نوع من أنواع الإسقاط يجب أن يتم من طرف أبناء الشعب أصحاب الشرعية في ذلك و ليس من طرف المحتل، لأن عملية الإحتلال غير شرعية و كل ما ينجر عنها فهو غير شرعي،

و لإكمال التمثيلية قامت أمريكا بتنصيب أشخاص يمثلون دور نظام حكم في العراق المحتل، و قامت حتى بإخراج مسرحية انتخابات من أجل الحبكة الفنية للرواية، لكن تلك الشلة من العملاء التي نصبها الأمريكيون لا تملك أية شرعية دستورية و ذلك حسب القوانين و الأعراف الدولية، و هي مجرد فرع إداري إستعماري أمريكي كل أعضائه من العرب، فهل كنا نحن الجزائريين نعتبر أن عملاء الإستعمار الفرنسي من الجزائريين إبان فترة الإحتلال الفرنسي لأرضنا إداريون و ممثلين للشعب؟ إن كل من يتعامل مع الفرنسيين أثناء فترة الإستعمار حتى بالبيع و الشراء يعتبر عندنا خائن و عميل، و حتى الحكومة المؤقتة الجزائرية أثناء فترة الإستعمالر تم تنصيبها و تسيير أمورها على الجبال أو خارج الجزائر، و كانت مطاردة باستمرار من طرف المستعمر، أي أنها كانت عبارة عن حركة تحررية، فكيف نعتبر أشخاص منصبون و محميون من طرف المستعمر على أرض الرافدين نظام حكم؟ إن ما بني على باطل هو باطل، و نظام الحكم الشرعي الوحيد في العراق هو نظام صدام حسين رحمه الله، و باستشهاده يجب على رفاقه من الأحرار تنصيب خليفة له من العراقيين و باختيار العراقيين بشرط أن لا يكون للمستعمر أي دور و لو كان بسيط جدا في تكوين النظام الجديد، و هذه هي الشرعية.

مسرحية المحاكمة و التناقضات

و لإضفاء المزيد من الجماليات على الحبكة الفنية للرواية قام المستعمر بتأليف و إخراج مسرحية المحاكمة، حيث قامو بتوزيع الأدوار على الممثلين العرب و تحديد سيناريو معين، و لكنهم ناقضو أنفسهم كثيرا، لأنهم اعتبروا في البداية أن صدام حسين أسير حرب، و هو فعلا كذلك، و منحوه حق المحاكمة؛ لكن من المنعارف عليه حسب اتفاقية جينيف أن أسرى الحرب لا يحاكمون، و إنما يتم تبادلهم، ر رغم أنف اتفاقية جينيف و رغم أنف العالم بأسره، أجبر صدام حسين و نظامه على حضور عرض المسرحية، و تم العرض، و حكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت، و أسدل الستار بتصفيق بعض من الجمهور و بكاء أغلبه، و لا ننسى إشارة صدام حسين في إحدى الجلسات بأنه رجل عسكري و أن العسكري يعدم بالرصاص و ليس بالشنق، و حتى القانون الخاص بالقصاص الذي سنه صدام قبل احتلال بلده و الذي تدعي المحكمة في نص المسرحية بأنه تحاكمه من خلاله، ينص على أن القصاص يتم بالحبل للمدنيين و الرصاص للعسكريين، لكن نص المسرحية هكذا، و العالم كله مجرد جمهور، لا يملك إلا حق من الثلاثة، إما التصفيق أو الضحك أو البكاء، و بعد انتهاء المسرحية قد يملك حق النقد كما أفعل الآن، و أقصى من ذلك لا حق إلا لمؤلف المسرحية (الكيان الصهيوني) و مخرجها و منفذها (أمريكا و بريطانيا) في تغيير السيناريو أو الممثلين.

الغدر و التوقيت

استشهد الرجل في آخر يوم من سنة ألفين و ستة، في يوم عيد، و لاختيار هذا التوقيت عدة أسباب أهمها؛ أولا: توجيه صفعة لكل الأمة العربية و الإسلامية لأن أمريكا تفعل ما تشاء بمن تشاء و وقت ما تشاء و لا يهمها أحد و لا يستطيع اعتراض طريقها أحد، ثانيا: إعطاء طابع الرمزية لعاشقي الدعابة المأساوية باعتبار صدام حسين أضحية العيد بالنسبة لمعارضيه، لكن الأضحية ذبحت قبل صلاة العيد، و لم تصلي العيد هي أيضا، ثالثا: اختيار توقيت يكون فيه جماهير المسلمون بمن فيهم الساسة و وسائل الإعلام مشغولين بالحدث الهام الذي يهم أب الأسرة أكثر من السياسة، و هو عيد الأضحى المبارك، لكي تكون القضية قضية ثانوية بالنسبة لعامة الناس، و حين تبدأ الجماهير تهتم بالقضية في ثاني أو ثالث أام العيد أو حتى بعد ذلك بأيام، يكون الخبر قد برد، و يكون صدام حسين في عداد الذكريات، و هذه خطة إعلامية جهنمية لا يعدها إلا المحترفون، و لا أعتقد أن من قام بإعدادها عراقي، إنها من تخطيط علامة في الإعلام السياسي.

لكن رغم المسرحية، فلنتساءل، بين الإعدام و الإغتيال، كيف استشهد الرجل؟

إن المبدأ العام في القانون يقول إذا بطل الأصل بطل الفرع، و التنحية من المنصب باطلة، إذن صدام حسين هو رئيس العراق، و المحاكمة باطلة، إذن الحكم باطل، و بذلك يكون الرجل المحترم فخامة الرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق قد تعرض لأطول و أوسع عملية إغتيال في التاريخ، و يعتبر رئيس الجمهورية الوحيد في التاريخ الذي تم اغتياله بالمشنقة، لأن اغتيال الرؤساء و الزعماء يتم عادة بالسهم و السم قديما و بالرصاص و التفجير و السم حديثا، أما أن يغتال رئيس جمهورية بالمشنقة و أمام كاميرا خصصت لتصوير أحداث الإغتيال و دون أي تدخل من أي طرف من الأطراف لحماية الرئيس الذي من المفروض أن يتمتع بالحصانة و الحماية الرئاسية، فتلك هي أكبر مهزلة تاريخية في تاريخ البشرية على الإطلاق.

محاولة الإذلال الفاشلة

مر الرئيس الراحل و شهيد الواجب الوطني صدام حسين بعدة محاولات فاشلة لإذلاله، أولها كانت عقب القبض عليه، حيث عرضت صوره باللحية و هو خاضع لطبيب يقلب رأسه و فمه، و حاولت وسائل الإعلام أن تختار تلك اللقطات بالذات لإظهاره بصورة الذليل، لكن المنطق يدعونا للتفكير، إن خضوع فخامة الرئيس الراحل للطبيب هو أمر طبيعي، أي شخص في الدنيا يتبع تعليمات أي طبيب يقلبه و يكشف عنه، فكيف نريد من صدام حسين أن يتصرف مع الطبيب؟ هل نريد منه أن يشتمه أو يضربه؟ إنه أمام رجل علم و واجب يؤدي مهمته الإنسانية و ليس أمام كولونيل أمريكي، لكن الإعلام الأمريكي و المتأمرك حاول استغلال تلك اللقطة لسبب واحد و هو أنها اللقطة الوحيدة التي يملكها لصدام حسين في حالة مسالمة، و إن اعتبرنا أنه ذليل، هل أنه لم يكن كذلك أثناء اعتقاله؟ أو قبل عرضه على الطبيب بلحظات أو حتى بعد ذلك بلحظات؟ لماذا لم يعرضوا فيديوهات أخرى للرجل في لحظات أخرى؟ إن تصرف فخامة الرئيس الراحل مع الطبيب هو تصرف طبيعي و عادي و لا يعني أبدا أنه مستسلم،

و المرحلة الثانية لإذلال الرجل كانت تصوير عملية الإغتيال، حيث اعتقد المستعمر أن حرارة الروح و التمسك بالحياة كتصرف طبيعي للبشر ستؤدي بفخامة الرئيس الراحل إلى إبدا نوع من المقاومة أو حتى الخوف و الرهبة و هو يعلم أنها الدقائق الأخيرة من حياته، لكن الرجل قام يختال كالمسيح وئيدا، و رفض حتى تغطية رأسه لأنه بكل بساطة لا يخشى الإستشهاد، و تقدم إلى المشنقة بهدوء و عينيه بنفس الصرامة و الكبر التان تكونان عليهما عندما يقود جيشه، و كأنه ذاهب متقدم إلى منصة لإلقاء خطاب على بني شعبه و ليس ذاهب لفصل روحه عن جسده، هكذا استشهد الرجل منتصرا، و من واجب الأمة الإسلامية و العربية خاصة أن تصنع له تمثالا من ذهب، و ذلك أقل ما يمكن منحه للرجل الوحيد الذي أصاب تل أبيب بالصواريخ، للرجل الوحيد الذي قال لا و استمر في قولها إلى غاية آخر لحظة في حياته، و كانت آخر رسالة وجهها الرجل للعالم من خلال عينيه أنهم في هذه اللحظة يغتالون واحد من المليار مسلم، فلا باغتياله ستتوقف المقاومة في العراق، و لا باغتياله ستموت الأمة الإسلامية.

 

مرحبا بكم كمشتركين في منتديات الجزائر - رياض مصطفاوي الجديدة على العنوان:

Riadh.forumup.com

 

 

الجنة، إطار العجلة، أو جهنم
نشر الساعة: 02:24 م بتاريخ: 10/ 3/2006
الكاتب: رياض مصطفاوي

الجنة، إطار العجلة أو جهنم

 

كتب: رياض مصطفاوي

 

حدث في مسقط رأسي أن أحد الحكماء الذين يسمونهم في تلك البلدة مجانين، قام في أحد الأيام مخاطبا أبناء بلدته قائلا: "أيها الناس؛ هل تعتقدون أن الله يوم القيامة سيدخلكم إلى جهنم؟ أنتم مخطئون في اعتقادكم، إن جهنم هي مكان خلقه الله من أجل عظماء العالم من غير المسلمين، مثل شارون و رابين و بوش و مايكل جاكسون و مارادونا و غيرهم من عظماء العالم، هل تتخيلون أن الله سيسمح لكم بأن تكونوا في نفس المكان مع هؤلاء العظماء و أنتم حثالة التاريخ؟ طبعا لا".   سألهم أحد الحاضرين مستهزئا؛ "و ماذا سيفعل الله بالذين لن يدخلوا الجنة منا إذن؟" فكانت الإجابة التي جعلت الحادثة مشهورة، قال لهم؛ "سيعطي لكل منكم إطار عجلة "كاويتش" و يقول له أحرقه و ادخل فيه".

 

قد يكون هذا الحكيم المجنون ألقى خطابه هذا من مبدأ عقدة النقص التي نعاني منها نحن شعوب العالم المتخلف أكثر من أي شعوب في العالم، إلى درجة أغارت تلك العقدة حتى على الطريقة التي سيحاسبنا الله بها يوم القيامة، الأمر الذي جعل من صاحبنا يرى أننا أقل من هؤلاء الناس شأنا حتى في عقاب الله، حيث أن الذاهبون إلى النار من عامة الأمة لن يعاقبون بنفس مستوى عظماء التاريخ.

 

نتمنى ذلك؛ نعم، نتمنى ذلك، إذا سمعنا وصف جهنم و ويلها، سنجد أن حرق الإنسان في دولاب "عجلة" سيارة ستكون رحمة لا بعدها رحمة، و قد يكون صاحبنا محق في تخيله للطبقية في عذاب الله؛ لأن أكبر كبائر أفعال أكفر الكفار من عامة الناس قد لا ترقى إلى بشاعة أقل جريمة من جرائم عظماء العالم، فهل مجموع ما ارتكبه القاتل العامي "الشعبي" العربي ترقى إلى جرائم شارون و رابين في فلسطين؟ و هل ترقى رشاوي الشرطي العربي و سياسة القمع التي يمارسها ضد أبناء بلدته إلى مستوى الحروب الغير مبررة التي خاضها بوش؟ و هل ترقى السهرات المحدودة لمغني الكاباريه العربي الذي أسكر الشلة بموسيقاه المخدرة و أدى بهم إلى ارتكاب الفواحش إلى مستوى الموضات المحرمة التي سنها مايكل جاكسون و التي خدرت أخلاق شباب شعوب بأكملها؟ و هل سيرقى ذنب فريق البلدة الذي ألهى الشباب عن آداء العبادات من أجل مشاهدة كرة القدم إلى مستوى ذنب مارادونا الذي أدى بالشباب في العالم أجمع إلى ترك كل شيء من أجل المباراة التي تنتهي غالبا بليلة من العنف و التخريب في حالة الخسارة و ليلة ماجنة و فاسقة في حالة الفوز؟ طبعا لا، و ألف لا، إن ذنب الشخص العادي مهما كان من الكبائر هو ضد نفسه، لأن مجاله محدود، أما ذنب العظيم فهو عظيم، لأن مجاله أوسع بكثير و تأثيره أشمل.

 

لو تمعنا في الأمر جيدا و غصنا في عمقه الخفي نجد إن صاحبنا الحكيم المجنون و إن أراد بقوله ذلك أن يرسخ في أعماقنا عقدة النقص، إذ هو دون أن يدري يوقظ فينا حقيقة القيمة الإنسانية، التي مقياسها عند الله عز و جل إيمان الإنسان و تقواه، و لا مقياس آخر من مقاييس الدنيا الدنيئة وارد في سلم مقاييس الله، لا المكانة الإجتماعية و لا الشهرة، الأقل ذنبا في الدنيا هو عند الله أكبر مكانة من الأكثر ذنبا مهما كان.

 

قد نكون قد ضمنا مكانة جيدة في النار لأننا أناس بسطاء؛ أليس كذلك؟ لكن، لنتأمل قليلا، لماذا لا نسعى لمكانة خارج النار؟ مكانة في جنة الله التي لا يمكن لأحد وصفها الوصف الكافي مهما كان الوصف رائعا، إن الأمر بسيط و سهل أكثر مما نتصور، توبة نصوحة، و الحفاظ على العبادات بكل خشوع و نية صادقة، أليست الصلوات الخمسة أريح من ساعة من الرقص على الموسيقى الصاخبة؟ أليس صوم اليوم أفضل للصحة و أوفر للمال من شرب كأس من الويسكي الفاخر؟ أليست الصدقة القليلة التي تساعد بها المسكين على شراء قلم حبر لإبنه أفيد من شرائك لعلبة السجائر التي تنتحر من خلالها جزئيا كل يوم؟ أليست الزكاة التي يمكنك أن تمنحها للفقراء و تسعدهم بها أفيد لك و لمالك و لمجتمعك من إنفاق ثروتك في الإكثار من شراء الفيلات و الشقق و تركها مغلقة لسنوات دون فائدة و من شراء السيارات من كل نوع و تركها مركونة في المرآب دون استعمال؟ أليس ذهابك لآداء مناسك الحج و غسل نفسك من الذنوب أفضل لك من السفر لقضاء عطلة ماجنة في أوروبا و إثقال نفسك بالذنوب؟

 

أخواتي و إخواني؛ الأمر لا يتطلب منكم أي مجهود، بالعكس؛ هو بسيط و مريح كثيرا، كل ما يتطلبه هو النية الصادقة و قرار نتخذه في أعماقنا؛ مقاطعة كل شياطين الجن و الإنس، و التوبة لله من أعماق القلب، التوبة الصادقة التي يلتزم فيها الإنسان بتعاليم الله و لا يخرج عنها أبدا، الأمر لا يتطلب منا بناء حياتنا من جديد، و إنما يتطلب منا تغيير نمط حياتنا الموجودة فعلا، تخطيطها وفقا لما أمرنا به الله الذي يحبنا أكثر من أي شيء في هذا الكون، الله الذي خلقنا من أجل أن ندخل الجنة، فلماذا هذا العناد و الإصرار على الذهاب إلى جهنم؟ إن الإنسان يولد و هو بريء لا ذنب له، أي أنه مهيأ لدخول الجنة، و لكنه مع مرور السنين يبدأ في سلك طريق جهنم، لكن الله غفور رحيم و يخلق في طريقه دائما طرق جانبية تدعوه للعودة لطريق الجنة، لكن، من الناس من يغير الإتجاه نحو جنة الله، و منهم من تسيره غريزة النار و الشيطان و يبقى سائرا في طريقه، بل و منهم من يتجاوز الشيطان في السباق على طريق جهنم.

 

أخواتي إخواني؛ بما أنكم لا تدرون متى تموتون فتوبوا في الحال، لأن الموت تتربص بك منذ أن نفخ الله فيك الروح في بطن أمك، يمكن أن لا تستمر الروح في جسدك إلا ثانية واحدة و تموت في بطن أمك، و يمكن أن تموت مع أول نفس من الدنيا عند ولادتك، و يمكن أن تموت الأن، و يمكن أن تموت قبل الإنهاء من قراءة هذا المقال، و يمكن أن تنام الليلة و لا تستيقظ أبدا، و يمكن أن تموت بعد خمسين أو مائة أو ألف سنة و يمكن أن تموت بعد عمر طويل على الكفر و يكون عمرك الطويل نقمة عليك و لا تزيد على نفسك إلا ذنوب على ذنوب، لذلك عليك أن تتوب في الحال، شهد، و قم و توضأ و صلي و أقسم أن لا تترك توبتك الكنز إلى أن تموت، فإذا أتت ساعتك بعد لحظات و وافتك المنية فأنت ستموت مسلما إلى الله، و إذا عشت عمرا طويلا فأنت ستزيد من حسناتك و درجاتك عند الله إن شاء الله و أتمنى لكم ذلك من كل قلبي.

أريد في ختام مقالي لكم أن أذكركم بشيء مهم، إن درجة دولاب السيارة "العجلة"
 ليست موجودة في جهنم،
 يعني أن أرحم عذاب في جهنم لا يضاهيه أي عذاب في الدنيا يمكننا تخيله،
 فكيف بدرجات العذاب المتقدمة؟
 لا يمكن لأي أحد أن يتخيل عذاب الله الشديد،
 و أيضا لا يمكن لأي أحد أن يتخيل رحمة الله الواسعة للتائبين الجادين فقط طبعا،
 فماذا قررتم الآن؟
الشرف الظاهر و الشرف الخفي
نشر الساعة: 12:05 ص بتاريخ: 08/17/2006
الكاتب: رياض مصطفاوي

الشرف الظاهر و الشرف الخفي

 

كتب: رياض مصطفاوي

 

إن أغلب الناس في المجتمعات المحافظة على قيمها الروحية و خاصة المجتمعات العربية على اختلاف أديانها تعتبر الشرف أغلى شيء يملكه الإنسان، و ربما يعتبر ثروة يملكها الغني و الفقير على حد سواء، لكن هذا الأمر رغم وضوحه إلا أنه يدعونا إلى طرح إشكالية لخوض فيها ليس بهدف التنوير فقط و لكن أيضا بهدف الدعوة لإيقاظ العقل ليفكر بصفة شخصية في هذه المسألة الهامة بغرض إخراجها من قوقعة العادات و التقاليد و الوعاء الديني و الأخلاقي لنطرحها في ساحة فكرية.

 

         و أول ما نبدأ به في هذا الموضوع هو محاولة تحديد مفهوم للشرف، إن هذا الأمر صعب الإختصار بعض الشيء لذلك سأتجاوز الكثير من التعريفات اللغوية و أنتقل مباشرة إلى أقرب مفهوم شامل للشرف، إن الشرف هو البعد المعنوي للكرامة و الفخر، و على هذا المفهوم المبسط سنبني بقية المقال.

 

         هل تساءل أحدنا في يوم من الأيام؛ ما هو الشيء الغالي في الشرف؟ و ما هو البعد المادي له؟ و لماذا يصر الإنسان على أن شرفه هو أغلى ما يملك؟ و ماذا يضر الإنسان لو خسر شرفه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في أعماق النفس البشرية، فالإنسان يحتاج في حياته للكثير من الضرورات التي لا يمكنه الإستغناء عنها مثل الطعام و اللباس و المأوى، كما أنه يحتاج إلى الكثير من الضرورات التي تعمل على ترقيته و لكنه بإمكانه الإستغناء عنها؛ مثل النقل و التسلية و التعليم و الفن و غيرها، و بما أن الإنسان يتركب من جانب مادي جسدي و جانب معنوي عقلي أو نفساني؛ فإن هذا التركيب فرض على الإنسان حاجات أخرى معنوية مثل الحب، الإرادة، الإيمان، الكرامة، الفخر، ... و غيرها. و رغم أن الحاجات المعنوية للإنسان لا تزن شيئا في لغة الأرقام إلا أنها المحرك القوي لدفعه للحصول على حاجاته المادية، فحاجة الإنسان إلى الحب تدفعه إلى العمل على توفير مأوى و مصدر للدخل لأجل توفير الطعام و اللباس ليحصل على الحب من طرف آخر، و لكي يعيش الإنسان حياة كريمة يتوجب عليه توفير الحماية اللازمة لنفسه و لمن يحب، أي أن الدافع من وراء السعي للحصول على ضرورات الترقية نابع من حاجاته المعنوية، و المفارقة في الأمر أن الإنسان إذا كان يسعى لتوفير أكبر قدر ممكن من الضرورات المادية من أجل حاجاته النفسية، فإنه في نفس الوقت مستعد للتنازل على كل حاجاته المادية للحفاظ على إشباع حاجاته المعنوية، و هذه الحقيقة تؤدي بنا للإعتراف بأن الحاجة النفسية للإنسان أقوى بكثير من حاجاته المادية، و أن الحاجة المعنوية هي المحرك الدافع لحياته، فالإنسان الطبيعي قد يقتل أو ينتحر إذا تعلق الأمر بفقدان الشرف أو الكرامة، و لكن القتل من أجل المال لا يقوم به إلا إنسان منحرف غير سوي، و الإستنتاج القائم من هذه فكرة هو أن الإنسان يحتاج لأن يحس بالقوة.

 

فلنخرج قليلا عن الموضوع؛ يقول "سيغموند فرويد" أن كل ما يقوم به الإنسان من تصرفات و أعمال و إبداع متعلق بالجنس؛ حيث يرى أن الإنسان بحاجة متواصلة للجنس، و هو يعمل من أجل توفير المال للحصول على شهوته، و إن لم يتمكن من ذلك فإنه سيكبت رغباته الجنسية و ستتحول إلى إبداع أو إجرام، و الذين يعارضون هذه الفكرة يعتبرون أن "فرويد" يبالغ في اعتبار كل أفعال الإنسان متعلقة بالجنس، أي أنهم يتفقون معه في مبدأ الفكرة و يختلفون معه في نسبتها فقط. شخصيا أرى أن العالم الكبير ذو اللحية البيضاء التي تضفي على وجهه وقار العباقرة، مؤسس مدرسة التحليل النفسي الذي أمضى كل حياته يحلل عينات النفس البشرية، أرى أن هذا العالم النفساني العظيم ما هو إلا مريض نفسيا، مريض بالعقدة التي عممها على كل سكان المعمورة من خلال نظرية عقيمة تعبر عن إسقاطه لكبته الشخصي على الناس، و المقام هنا يمنعني من التصريح بالحقيقة الخفية من وراء الإنتشار الواسع لهذه النظرية لأن ذلك موضوع آخر في مجال آخر، و سأقدمه في مقال آخر، و سأكتفي بمناقشة النظرية كما هي؛ لو اعتبرنا أن كبت الإشباع الجنسي هو الدافع وراء الإبداع و الإجرام، فهل يعجز الإنسان المتزوج الذي يمارس العلاقة الطبيعية بشكل منتظم و دائم عن الإبداع؟ و هل كل المبدعين كانوا يكبتون رغباتهم الجنسية؟ و هل كل المجرمين و المنحرفين كانوا يكبتون رغباتهم الجنسية؟ بالطبع الإجابة عن كل هذه الأسئلة هي لا، لا، لا ...

فالمجتمع مليء بالمصابين بالعجز أو الضعف الجنسي، لكن رغم ذلك نجد أن هؤلاء أناس عاديين لا يبدعون و لا يجرمون، و نجد أيضا أناس يمارسون حياتهم الطبيعية بشكل منتظم و يبدعون إلى أقصى الحدود، و منهم أناس يجرمون إلى أبعد الحدود أيضا.

 

         إن الموضوع لا علاقة له بالجنس، إن النظرية الصحيحة هي أن كل ما يقوم به الإنسان من أفعال و أعمال و إنجازات و إبداع نابع من حاجته للإحساس بالقوة، قد يقول البعض من مساندي "فرويد" أن الجنس يجعل الإنسان يحس بالقوة، و هنا أعارضهم، إن الجنس يجعل الإنسان يحس بالسعادة، مثله مثل الطعام، لكن الطعام أهم للإنسان و يجعله يحس بالسعادة أكثر من الجنس، كيف ذلك؟ ما مدى سعادة إنسان عندما يمارس الجنس لأول مرة إذا كان ذلك مثلا في سن العشرين؟ أكيد أنه سيشعر بعالم مختلف من السعادة الجديدة عليه. و إذا أخذنا نفس الإنسان و قطعنا عنه الطعام لمدة ثلاثة أيام، و أعطيناه بعد ذلك بيضة مسلوقة و حبة زيتون، أكيد أنه سيشعر بلذة و سعادة بهذه الوجبة الفقيرة أكبر عشرات المرات من سعادته بممارسة الجنس لأول مرة، يستطيع الإنسان أن يعيش طبيعيا لعشرين أو خمسين أو كل حياته دون جنس، لكنه لا يستطيع الإستغناء عن الطعام ليوم واحد، و هذا ما يضرب النظرية المريضة لسيغموند فرويد عرض الحائط.

 

         نعود إلى موضوعنا، إذن سنسلم بأن الإنسان بحاجة للإحساس بالقوة، و يمكننا ربط القوة بالكرامة، فالإنسان يبذل النفس و النفيس لأجل الحفاظ على كرامته أمام الناس و أمام نفسه، أما إذا تنازل عنها بأي ثمن أو حتى دون ثمن فإنه سيواجه موجتين من الإنتقاد و اللوم؛ موجة من المجتمع و موجة من داخل نفسه، و سيصبح إنسانا منبوذا و ضعيفا مهما كان الإنجاز الذي حققه من وراء تنازله عن كرامته، و أهم أبعاد الكرامة الشرف، و الشرف أو الفخر يعتبر أغلى شيء يملكه الإنسان، و هو في متناول الجميع بالفطرة، لكن تعقيد المجتمع يجعل الشرف ينقسم إلى قسمين؛ الشرف المشترك و الشرف الفردي.

الشرف المشترك ينقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية هي:

 

- الشرف القومي:

 

و هو ذو بعد جماعي مشترك، يتمثل في كرامة الأمة و مكانتها بين الأمم، و يتحدد من خلال الإنجازات الصناعية و العسكرية و السياسية و الدبلوماسية التي تجعل من الأمة أمة قوية و محترمة بين بقية الأمم، و يقاس بمدى قدرة الأمة على الحفاظ على وحدتها الوطنية و المواقف تجاه بقية الأمم و الحفاظ كرامة الشعب و قيمه الأخلاقية الجماعية و خصائصه الحضارية،لكن هذا النوع من الشرف يتغير بتغير العالم و تسارع أحداثه، و رغم أن الشرف هو مصدر قوة إلا أن الشرف القومي بحاجة للقوة لكي تحميه، كما يتطلب الحفاظ عليه التمسك بالمبادئ و الأخلاق العامة للمجتمع و الأمة في مواجهة التيارات التي تهدف إلى هدمها أو تظليلها، و ربما صدق قول الشاعر:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

- الشرف العشائري:

 

 العشيرة، أو القبيلة، أو العائلة؛ هي غصن من أغصان شجرة الأمة، إن لم نقل أنها الجذع أو حتى الجذور، و شرف العشيرة أكثر تعقيدا من شرف الأمة؛ لأنه يشمل نفس نوع شرف الأمة بما أن الأمة تتكون من مجموعة عشائر؛ مضاف إليه فروع أخرى من الشرف، حيث يقاس شرف العشيرة بتماسكها و وحدتها و قدرتها على معالجة مشاكل أفرادها و فرض تقاليد اجتماعية و أخلاقية على أعضائها و معاقبتهم عند الخروج عن التقاليد و الأخلاق، و رغم اختلاف التقاليد بين كل عشيرة و أخرى، إلا أنها تشترك في العديد من الخصائص التي تكمن فيها  أركان الشرف مثل عفة الأفراد، التضامن، العدل، آداء الأمانة، و باختصار معظم العلاقة بين الفرد و عشيرته و بين الفرد و العشائر الصديقة أو الشقيقة، لكن و للأسف الشديد التفكك العشائري و حتى التفكك العائلي بسبب تغير متطلبات و شروط الحياة أدى إلى زوال هذا النوع من الشرف تقريبا.

- شرف عالم المصالح:

 

قال قائل: "لا يوجد في الدنيا أصدقاء أبديون، و لا يوجد أعداء أبديون، و لكن توجد مصالح أبدية"

هذا النوع من الشرف يشمل سمعة و مصداقية الشركات الإقتصادية و التيارات السياسية و المنظمات على اختلافها و أيضا وسائل الإعلام، حيث يكون أصحاب هذه الهيئات مضطرين للحفاظ على بعض المبادئ الأخلاقية تجاه الرأي العام و الجمهور و المستهلك ليس بهدف الحفاظ على البعد المعنوي للشرف، و لكن بغرض تحقيق أكبر كمية من المكاسب حتى و إن كانت تلك المبادئ تناقض مبادئ صاحبها، و هذا الأمر أشبه بالمغازلة لأجل تحقيق المكاسب، فتكتسب الهيئة المغازلة سمعة طيبة و مصداقية أمام الرأي العام، و لكنها مستعدة لتغيير لهجة مغازلتها أو التخلي عنها إن لم يكن لها مصالح مع مجتمع معين، فالمبدأ العام لشرف عالم المصالح هو أن الصياد لا يطعم السمكة بعد أن يصطادها، و لا يطعم البقرة إن توقفت عن إدرار الحليب، وللأسف إن هذا النوع من الشبه شرف هو الذي يسود العالم اليوم، و ما زال يزحف على ما تبقى من مبادئ.

 

أما الشرف الفردي فينقسم بدوره إلى نوعين:

 

- الشرف المرن "المكتسب":

 

و هو بعض الصفات التي يكتسبها الإنسان من المجتمع و المحيط الذي يعيش فيه مثل شرف الرتبة المهنية، شرف النسب، شرف الواجب، شرف المستوى الثقافي ... و غيرها من الصفات المكتسبة بفضل المجهود الفردي للإنسان أو بفضل مساعدة الآخرين، و قد نجد بعض الشبه بين الشرف الفردي المكتسب و الشرف الجماعي للمصالح، و هذا النوع من الشرف هو شرف لين، مرن، يمكن للإنسان عجنه و تشكيله حسب الظروف، حيث أنه إذا فقد شكله فيمكنه إرجاعه لشكله السابق أو لشكل أجمل منه حسب براعته  و مواتاة الظروف.

 

- الشرف الجامد "الفطري":

 

و هو الشرف الذي يولد مع الإنسان، و هو جامد و قيمه ثابتة و إذا حاول الإنسان عجنه سينكسر و لن يستطيع إصلاحه، و هو أساسا مرتبط بالقيمة الأخلاقية للفرد وفق مجموعة القوانين و الأسس التي حددها له المجتمع و الدين، و هو أكثر أنواع الشرف شيوعا و خطرا، الإخلال به يؤدي أحيانا إلى القتل، و في أخف العقوبات إلى النبذ طول الحياة، و يرتبط في معظمه بنوع العلاقة بين الرجل و المرأة، حيث يرفض أية علاقة بينهما خارج إطار الزواج، و هذا النوع من الشرف ينتشر كثيرا في المجتمع العربي و المجتمعات الشرقية، أما المجتمعات الغربية الليبرالية فهناك أيدي خفية قامت بمسحه بشكل شبه كلي، و هي تسعى لمسحه من بقية العالم، و لحسن الحظ أن مجتمعاتنا العربية لا زالت تحافظ على الشطر الأكبر من هذا الشرف الذي يسمى أيضا "الشرف القدسي"، لكن هناك مفارقات و تناقضات أو بالأحرى مقياس غير عادل يسود المجتمع في تحديد مفهوم الشرف القدسي، و يربطه دائما بالمرأة و يعتبرها حاملة أمانة عائلتها أو حتى عشيرتها، و يعتبر أيضا أن شرف المرأة ليس ملكها و لكنه ملك لعائلتها، ثم بعد الزواج يصبح ملكا لزوجها، و للأسف هذا المنظور ينكر على المرأة إنسانيتها و يعتبرها مجرد ملك يتم تداوله بعقد بيع بين أبيها و زوجها، كما أنه أيضا يحمل المرأة كامل المسؤولية عن الشرف، و يعتبرها الوعاء الوحيد الذي يحتويه، و هذه نظرة غير عادلة عن المرأة، إن المجتمع يعاقب المرأة عندما تزني، و يفتخر بالرجل إذا فعل ذلك، و يالها من مهزلة تدعو للسخرية، لقد تعارف العرب في الجاهلية على وأد البنت و هي رضيعة و دفنها حية، و تعتبر هذه الجرائم من أبشع الجرائم و أكثرها همجية في تاريخ الإنسانية، إلى أن جاء الإسلام و كشف للجاهلين مكانة المرأة الحقيقية و قيمتها المقدسة، كيف لا و الإسلام يضع الجنة و ما أدراك ما الجنة تحت أقدام الأمهات، و المفارقة في الموضوع أن مفكري المجتمع العربي عبر العصور أصروا على طمس الحقيقة الإنسانية للمرأة و سعوا لإبقائها دائما في صورة قنبلة موقوتة للخزي و للعار، كيف لا و المجتمع في القرن الواحد و العشرين يفضل إنجاب الأولاد عن إنجاب البنات، رغم أن الواقع يثبت أن المشاكل التي يتسبب فيها الأولاد أكثر بكثير من المشاكل التي تتسبب فيها البنات، إن المجتمع يعتبر زنا المرأة جريمة، و زنا الرجل مفخرة، رغم أن الإسلام يساوي بين الرجل و المرأة في كل شيء، فالله عندما تطرق للزنا في كتابه الحكيم قال "الزاني و الزانية" أي أن حمل المسؤولية للرجل قبل المرأة، و التقديم في كتاب الله عز و جل ليس مجرد صدفة، إن الرجل يفقد شرفه إذا زنا، هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعترف بها المجتمع الذي تذرع كثيرا باعتبار أن المرأة تحمل دليل الزنا إما بالحمل و إما بفقدان العذرية، أما الرجل فإن زناه سري و يمكن مداراته لأنه لا يحمل دليلا، لكن دعوني أتوجه للمجتمع بهذا السؤال؛ إن العلم تطور، و أصبح من السهل أن تزني المرأة كما تشاء و لا تحمل، و أصبح من السهل أيضا أن تكتسب غشاء عذرية جديد بواسطة الجراحة حتى و إن سبق لها الولادة، أي أن المرأة أيضا يمكنها أن تداري على ارتكابها فاحشة الزنا مثلها مثل الرجل، فهل سيسمح لها المجتمع بالتمادي؟ لماذا نكيل بمكيالين؟ لماذا لا نعاقب الرجل مثلما نعاقب المرأة؟ هل شرف الرجل خفي و شرف المرأة ظاهر؟ يجب على المجتمع أن يعتبر أن الشرف مرتبط بالفعل في حد ذاته، و ليس بجنس الفاعل، إن الشرف القدسي هو ملك شخصي للمرأة، و يتعدى إلى الشرف العشائري أو العائلي، إن الرجل أيضا يجب أن يكون شريفا و أن يحافظ على شرفه، لأن شرفه يتعدى أيضا إلى الشرف العشائري أو العائلي، أي أن شرف المرأة ملك للرجل و شرف الرجل ملك للمرأة، تلك هي العدالة، يجب على المجتمع أن يتوقف على سرقة حقوق المرأة، إن المرأة تسمح من حقها كثيرا من باب الحكمة و التسامح، لكن المجتمع ينظر إلى هذا التسامح على أنه الطبيعة البشرية، أي أن المرأة هي ملك من ضمن الممتلكات التي يسيرها صاحبها كما يشاء، و ينكر على المرأة إنسانيتها التي منحها لها الله، إن القانون المصري مثلا لا يعاقب الرجل الذي يقتل زوجته بسبب الخيانة، لكنه يعاقب المرأة التي تقتل زوجها بسبب الخيانة بالإعدام، و العديد من القوانين في العالم تعاقب المرأة على الدعارة إن مسكت متلبسة بالسجن، و تكتفي نفس القوانين بتحرير محضر إثبات للرجل الذي مسك متلبسا معها باعتباره شاهد على جريمتها، إن الوضع كارثي حقا، و يحتاج لإعادة النظر، و تكاتف الجهود لنشر الوعي بخصوص الشرف القدسي، كما أن المرأة التي زنت مرة واحدة دون زواج فقدت شرفها فإن الرجل الذي زنى مرة واحدة دون زواج فقد شرفه أيضا، هذه هي الحقيقة مهما حاول المجتمع إنكارها، و هنا أذكر حادثة حصلت قبل سنوات في إحدى المدن الجزائرية؛ حيث قام شاب باغتصاب فتاة أفقدها عذريتها، و تم حبسه، و أثنا محاكمته كان في قفص الإتهام بالمحكمة مطأطأ الرأس فخاطبه أبوه من بين الجمهور بصوت عالي قائلا: "إرفع رأسك يا ولد، إنك أنت الفاعل و ليس المفعول به"، إن الوالد يفتخر بجريمة إبنه، و ربما كل العائلة تفتخر بها، و ربما أيضا عائلة الضحية المسكينة ترى أن هذا المجرم بطل و أن إبنتهم جلبت لهم العار، و كل ذلك رغم أن الحقيقة هي أن الشاب هو من فقد شرفه و ليست الفتاة، فمتى سيعترف المجتمع بالشرف الخفي كما يعترف بالشرف الظاهر؟

 

 

 

رياض مصطفاوي