آخر الرجال المحترمين واحد من المليار: بين الإعدام و الإغتيال
:نشر الساعة 04:41 م بتاريخ 12/31/2006 الكاتب: رياض مصطفاوي
آخر الرجال المحترمين واحد من المليار: بين الإعدام و الإغتيال
في اغتيال صدام حسين رسالة لكل عربي يقول لا، إنه الإرهاب بعينه
كتب رياض مصطفاوي
توطئة: "من المفروض بي ككاتب صحفي و خاصة كرئيس تحرير أن أكون أكثر احترافية و موضوعية و إلغاءا للذاتية و العواطف من أي شخص غير محترف يكتب مقالات، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أسمح لعواطفي بالمشاركة في الكتابة، ربما لأن عواطفي تأثرت أكثر من تأثر عقلي بهذا العمل الشنيع، أو ربما أن ما قلته هو نابع أصلا من عقلي و ليس من عواطفي، و بين الخاطرة و المقال؛ أبدأ على بركة الله"
أولا أود أن أتقدم بتعازي الشعب الجزائري العربي المسلم إلى الأمة الإسلامية جمعاء عن فقدانها لآخر الرجال المحترمين صدام حسين
ذلك الرجل، الذي ليس كباقي الرجال، الرجل الذي تحدى لوحده عبر التاريخ، و لم يلقى يوما الدعم من أية جهة، الرجل الوحيد الذي قال لا و ألف لا للأمركة و الصهينة، الرجل الذي فضل الإنكسار على الركوع، إن لله و إن إليه راجعون
الزعيم صدام حسين، هل أعدم أو اغتيل؟ هذا ما سنجيب عنه في المقال الحالي؛
مسرحية تمهيد الطريق، التنحية أو الإنقلاب؟
أولا سنتطرق للطريقة التي أبعد بها الرجل المحترم من منصبه، التنحية أو الإنقلاب؟ في نظام حكم مستقر، على أرض الرافدين، تقوم قوة أجنبية باحتلال تلك الأراضي دون سبب وجيه، متذرعة بامتلاك ذلك البلد لأسلحة من شأنها أن تشكل خطرا على المنطقة (يقصدون على الكيان الصهيوني) و على العالم (يقصدون على أمريكا حامية الكيان الصهيوني)، و رغم أن عملية الإقتحام "الأمريكوبريطاني" للعراق سبقتها لجان تحقيق دولية حول وجود تلك الأسلحة من عدمها و أثبتت تلك اللجان التي كانت تملك كل الصلاحيات للتفتيش و التحقيق أين تريد و مع من تريد في أرض الرافدين، أنه لا وجود لأسلحة دمار شامل، إلا أن صاحبة الإرادة أمريكا قررت اقتحام العراق على كل حال، مهما كانت نتائج تلك التحقيقات، و في حقيقة الأمر إن لجان التحقيق التي أرسلت إلى العراق أدت مهامها على أكمل وجه، و مهمتها الأساسية السرية التي كلفها بها البيت الأبيض هي التجسس على أرض العراق، و تحديد منظومته الدفاعية و تدمير كل سلاح قد يصلح للدفاع على الوطن، و ذلك من أجل تهيئة الطريق أمام القوات الأمريكية للدخول إلى وطن لا يملك أية منظومة دفاعية من أي نوع، أي أن مهمة لجنة التحقيق الدولية كانت تجريد العراق من السلاح بغرض تسهيل احتلال العراق من طرف المستعمرين، و هل تمنح جائزة نوبل للسلام للبردعي بالمجان؟
بعد نجاح خطة الإحتلال و دخول بغداد كان من الطبيعي أن يختفي صدام حسين عن الأنظار، و كان في استطاعت الرجل المحترم أن يطلب اللجوء السياسي لأي بلد في العالم، و كان أي بلد في العالم سيقبل به كلاجئ سياسي، حتى أمريكا و بريطانيا لو طلب ذلك، لكن الرجل فضل البقاء في العراق و بجانب شعبه حتى مختفيا لأنه محترم، و فضل التمسك بمنصبه كرئيس جمهورية، و بقي قانونا رئيس لجمهورية العراق إلى غاية آخر لحظة في حياته، رغم تكرر عبارة "الرئيس السابق" في كل وسائل الإعلام العالمية، إلا أن الرجل المحترم صدام حسين كان و بقي رئيسا لجمهورية العراق إلى غاية استشهاده، و الآن منصب رئاسة الجمهورية يعتبر قانونا شاغرا، و يجب أن يبقى شاغرا إلى غاية استقلال العراق عن أمريكا،
قد يتساءل متسائل؛ كيف يبقى صدام حسين رئيسا للعراق؟ و أنا أجيب، إن خلع أي رئيس جمهورية من منصبه يتم إلا بتغييره عن طريق الإنتخابات، أو عن طريق الإنقلاب على نظام الحكم، و في حالة صدام حسين، لم تجرى أية انتخابات لتغييره بغيره، و لم يتم أي نوع من أنواع الإنقلاب عليه، على الأقل في ظل الإستقلال، لأن أي نوع من أنواع التنحية أو الإنقلاب يجب أن تكون من طرف العراقيين شعبا أو عسكريين، أما في حالة صدام حسين فإنه رئيس جمهورية، إحتلتها أمريكا، و من الطبيعي أن تبحث عن زعماء تلك الجمهورية لمحاصرتهم و التقليل من أخطار تزعمهم لمقاومة و حركة تحررية، و نجحت في ذلك، أي أنها نجحت في اعتقال نظام الحكم، و ليس في إسقاطه، لأن إسقاط نظام الحكم بأي نوع من أنواع الإسقاط يجب أن يتم من طرف أبناء الشعب أصحاب الشرعية في ذلك و ليس من طرف المحتل، لأن عملية الإحتلال غير شرعية و كل ما ينجر عنها فهو غير شرعي،
و لإكمال التمثيلية قامت أمريكا بتنصيب أشخاص يمثلون دور نظام حكم في العراق المحتل، و قامت حتى بإخراج مسرحية انتخابات من أجل الحبكة الفنية للرواية، لكن تلك الشلة من العملاء التي نصبها الأمريكيون لا تملك أية شرعية دستورية و ذلك حسب القوانين و الأعراف الدولية، و هي مجرد فرع إداري إستعماري أمريكي كل أعضائه من العرب، فهل كنا نحن الجزائريين نعتبر أن عملاء الإستعمار الفرنسي من الجزائريين إبان فترة الإحتلال الفرنسي لأرضنا إداريون و ممثلين للشعب؟ إن كل من يتعامل مع الفرنسيين أثناء فترة الإستعمار حتى بالبيع و الشراء يعتبر عندنا خائن و عميل، و حتى الحكومة المؤقتة الجزائرية أثناء فترة الإستعمالر تم تنصيبها و تسيير أمورها على الجبال أو خارج الجزائر، و كانت مطاردة باستمرار من طرف المستعمر، أي أنها كانت عبارة عن حركة تحررية، فكيف نعتبر أشخاص منصبون و محميون من طرف المستعمر على أرض الرافدين نظام حكم؟ إن ما بني على باطل هو باطل، و نظام الحكم الشرعي الوحيد في العراق هو نظام صدام حسين رحمه الله، و باستشهاده يجب على رفاقه من الأحرار تنصيب خليفة له من العراقيين و باختيار العراقيين بشرط أن لا يكون للمستعمر أي دور و لو كان بسيط جدا في تكوين النظام الجديد، و هذه هي الشرعية.
مسرحية المحاكمة و التناقضات
و لإضفاء المزيد من الجماليات على الحبكة الفنية للرواية قام المستعمر بتأليف و إخراج مسرحية المحاكمة، حيث قامو بتوزيع الأدوار على الممثلين العرب و تحديد سيناريو معين، و لكنهم ناقضو أنفسهم كثيرا، لأنهم اعتبروا في البداية أن صدام حسين أسير حرب، و هو فعلا كذلك، و منحوه حق المحاكمة؛ لكن من المنعارف عليه حسب اتفاقية جينيف أن أسرى الحرب لا يحاكمون، و إنما يتم تبادلهم، ر رغم أنف اتفاقية جينيف و رغم أنف العالم بأسره، أجبر صدام حسين و نظامه على حضور عرض المسرحية، و تم العرض، و حكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت، و أسدل الستار بتصفيق بعض من الجمهور و بكاء أغلبه، و لا ننسى إشارة صدام حسين في إحدى الجلسات بأنه رجل عسكري و أن العسكري يعدم بالرصاص و ليس بالشنق، و حتى القانون الخاص بالقصاص الذي سنه صدام قبل احتلال بلده و الذي تدعي المحكمة في نص المسرحية بأنه تحاكمه من خلاله، ينص على أن القصاص يتم بالحبل للمدنيين و الرصاص للعسكريين، لكن نص المسرحية هكذا، و العالم كله مجرد جمهور، لا يملك إلا حق من الثلاثة، إما التصفيق أو الضحك أو البكاء، و بعد انتهاء المسرحية قد يملك حق النقد كما أفعل الآن، و أقصى من ذلك لا حق إلا لمؤلف المسرحية (الكيان الصهيوني) و مخرجها و منفذها (أمريكا و بريطانيا) في تغيير السيناريو أو الممثلين.
الغدر و التوقيت
استشهد الرجل في آخر يوم من سنة ألفين و ستة، في يوم عيد، و لاختيار هذا التوقيت عدة أسباب أهمها؛ أولا: توجيه صفعة لكل الأمة العربية و الإسلامية لأن أمريكا تفعل ما تشاء بمن تشاء و وقت ما تشاء و لا يهمها أحد و لا يستطيع اعتراض طريقها أحد، ثانيا: إعطاء طابع الرمزية لعاشقي الدعابة المأساوية باعتبار صدام حسين أضحية العيد بالنسبة لمعارضيه، لكن الأضحية ذبحت قبل صلاة العيد، و لم تصلي العيد هي أيضا، ثالثا: اختيار توقيت يكون فيه جماهير المسلمون بمن فيهم الساسة و وسائل الإعلام مشغولين بالحدث الهام الذي يهم أب الأسرة أكثر من السياسة، و هو عيد الأضحى المبارك، لكي تكون القضية قضية ثانوية بالنسبة لعامة الناس، و حين تبدأ الجماهير تهتم بالقضية في ثاني أو ثالث أام العيد أو حتى بعد ذلك بأيام، يكون الخبر قد برد، و يكون صدام حسين في عداد الذكريات، و هذه خطة إعلامية جهنمية لا يعدها إلا المحترفون، و لا أعتقد أن من قام بإعدادها عراقي، إنها من تخطيط علامة في الإعلام السياسي.
لكن رغم المسرحية، فلنتساءل، بين الإعدام و الإغتيال، كيف استشهد الرجل؟
إن المبدأ العام في القانون يقول إذا بطل الأصل بطل الفرع، و التنحية من المنصب باطلة، إذن صدام حسين هو رئيس العراق، و المحاكمة باطلة، إذن الحكم باطل، و بذلك يكون الرجل المحترم فخامة الرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق قد تعرض لأطول و أوسع عملية إغتيال في التاريخ، و يعتبر رئيس الجمهورية الوحيد في التاريخ الذي تم اغتياله بالمشنقة، لأن اغتيال الرؤساء و الزعماء يتم عادة بالسهم و السم قديما و بالرصاص و التفجير و السم حديثا، أما أن يغتال رئيس جمهورية بالمشنقة و أمام كاميرا خصصت لتصوير أحداث الإغتيال و دون أي تدخل من أي طرف من الأطراف لحماية الرئيس الذي من المفروض أن يتمتع بالحصانة و الحماية الرئاسية، فتلك هي أكبر مهزلة تاريخية في تاريخ البشرية على الإطلاق.
محاولة الإذلال الفاشلة
مر الرئيس الراحل و شهيد الواجب الوطني صدام حسين بعدة محاولات فاشلة لإذلاله، أولها كانت عقب القبض عليه، حيث عرضت صوره باللحية و هو خاضع لطبيب يقلب رأسه و فمه، و حاولت وسائل الإعلام أن تختار تلك اللقطات بالذات لإظهاره بصورة الذليل، لكن المنطق يدعونا للتفكير، إن خضوع فخامة الرئيس الراحل للطبيب هو أمر طبيعي، أي شخص في الدنيا يتبع تعليمات أي طبيب يقلبه و يكشف عنه، فكيف نريد من صدام حسين أن يتصرف مع الطبيب؟ هل نريد منه أن يشتمه أو يضربه؟ إنه أمام رجل علم و واجب يؤدي مهمته الإنسانية و ليس أمام كولونيل أمريكي، لكن الإعلام الأمريكي و المتأمرك حاول استغلال تلك اللقطة لسبب واحد و هو أنها اللقطة الوحيدة التي يملكها لصدام حسين في حالة مسالمة، و إن اعتبرنا أنه ذليل، هل أنه لم يكن كذلك أثناء اعتقاله؟ أو قبل عرضه على الطبيب بلحظات أو حتى بعد ذلك بلحظات؟ لماذا لم يعرضوا فيديوهات أخرى للرجل في لحظات أخرى؟ إن تصرف فخامة الرئيس الراحل مع الطبيب هو تصرف طبيعي و عادي و لا يعني أبدا أنه مستسلم،
و المرحلة الثانية لإذلال الرجل كانت تصوير عملية الإغتيال، حيث اعتقد المستعمر أن حرارة الروح و التمسك بالحياة كتصرف طبيعي للبشر ستؤدي بفخامة الرئيس الراحل إلى إبدا نوع من المقاومة أو حتى الخوف و الرهبة و هو يعلم أنها الدقائق الأخيرة من حياته، لكن الرجل قام يختال كالمسيح وئيدا، و رفض حتى تغطية رأسه لأنه بكل بساطة لا يخشى الإستشهاد، و تقدم إلى المشنقة بهدوء و عينيه بنفس الصرامة و الكبر التان تكونان عليهما عندما يقود جيشه، و كأنه ذاهب متقدم إلى منصة لإلقاء خطاب على بني شعبه و ليس ذاهب لفصل روحه عن جسده، هكذا استشهد الرجل منتصرا، و من واجب الأمة الإسلامية و العربية خاصة أن تصنع له تمثالا من ذهب، و ذلك أقل ما يمكن منحه للرجل الوحيد الذي أصاب تل أبيب بالصواريخ، للرجل الوحيد الذي قال لا و استمر في قولها إلى غاية آخر لحظة في حياته، و كانت آخر رسالة وجهها الرجل للعالم من خلال عينيه أنهم في هذه اللحظة يغتالون واحد من المليار مسلم، فلا باغتياله ستتوقف المقاومة في العراق، و لا باغتياله ستموت الأمة الإسلامية.
مرحبا بكم كمشتركين في منتديات الجزائر - رياض مصطفاوي الجديدة على العنوان:
Riadh.forumup.com
|