اضغط هنا للتسجيل والحصول على مدونتك الخاصة الملف الشخصي لـ مقالات إرشيف مقالات الصفحة الرئيسية لـ مقالات
بطون ساذجة :نشر الساعة 03:53 م بتاريخ 09/26/2007
الكاتب: رياض مصطفاوي

بطون ساذجة

 

كتب : رياض مصطفاوي

 

عندما كنت طالبا في كلية الصحافة، أخبرنا أستاذ بأن الكلب عندما يعض رجل فهو خبر شعبي، أما عندما يعض الرجل كلبا، فذلك خبر صحفي.

 

أذكر أنني طالعت في صحيفة يومية "لا أذكر عنوانها" منذ سنوات، خبر مفاده أن فخامة رئيس الجمهورية يتجول في شوارع العاصمة في زيارات مفاجئة و لكنه كان يجلس في المقعد الأمامي للسيارة "بجانب السائق" و لا يربط حزام الأمن، و ضل صاحب المقال ينتقد فخامة الرئيس و يعتبر أنه بمثابة قدوة سيئة للشعب لأنه لم يكن يربط حزام الأمن، و اعتبر أنه خارج عن قانون المرور و أن القانون لا يطبق عليه، فهو فوق القانون، و أذكر أن ذلك الخبر كان حديث بعض معارفي القدماء و لا أذكر حتى أسمائهم، و لكنني أذكر أن التعليق العام عن الخبر كان يتمحور حول عدم شرعية فرض حزام الأمن على المواطنين ما دام فخامة رئيس الجمهورية يتمرد على قانون المرور.

 

في جريدة أخرى أو نفس الجريدة لا أذكر بالضبط، شاهدت صورة لسيارة رئيس الجمهورية و لا يحتوي زجاج السيارة الأمامي على ملصقة قسيمة السيارات المستخرجة إجباريا من مصالح الضرائب كل سنة بعد دفع ضريبة حسب السيارة، كاتب التعليق عن الصورة يريد أن يعتبر فخامة رئيس الجمهورية متهرب من الضرائب لأن سيارته لم تحتوي قسيمة الضرائب، و طبعا من المؤكد أن الكثيرين تحدثوا عن ضرورة الإقتداء برئيس الجمهورية في عدم شراء قسيمة السيارات من مصالح الضرائب.

 

في إحدى المدن الداخلية التي لا تشترى فيها الجرائد إلا لمسح الزجاج أو للف الخضر و الفواكه، لاحظت أن الناس في يوم من الأيام يقبلون بكثرة على اقتناء جريدة مشهورة، إستغربت الأمر و اقتنيت نسخة أيضا، و في الصفحة الأولى عنوان مانشيت لملف حول الراتب الشهري لرئيس الجمهورية و بعض الإطارات السامية للدولة، أجزم أن كل نسخ تلك الجريدة التي أحترمها و التي تسحب ما يزيد عن نصف مليون نسخة يوميا قد بيعت ذلك اليوم من مجرد قراءة العنوان البراق.

 

بعد مرور ثلاثة أيام عن وفاة المغفور له بإذن الله نائب مدير المخابرات الجزائرية اللواء إسماعيل العماري، سألني ساذج، هل العماري توفي فعلا؟ كنت سأجيبه بسذاجة إلا أنني توقفت في اللحظة الأخيرة لأنني تذكرت أن من سألني ساذج، و أجبته بأن الذي مات هو العماري و ليس العماري، لأنني ببساطة خمنت أنه يقصد العماري المشهور و ليس العماري الظل، يقصد محمد العماري قائد أركان الجيش الوطني الشعبي سابقا و ليس إسماعيل العماري مدير المخابرات الداخلية رحمه الله، و بالفعل كان تخميني صحيح، و المضحك المبكي في الأمر أنني تلقيت نفس السؤال من أكثر من عشرة أشخاص في ذلك اليوم و اليوم الذي يليه، كلهم يعتقدون أن الذي توفي هو محمد و ليس إسماعيل لأنهم لا يعرفون إسماعيل أصلا، رغم أن خبر الوفاة أذيع في نشرات الأخبار في كل العالم، و فخامة رئيس الجمهورية نفسه ذهب لبيت الفقيد لآداء واجب التعزية، و نشر الخبر في كل الجرائد، إلا أن السذج لا يقرأون مثل هذه الأخبار، و لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التدقيق في خبر يهم مصير البلد بالدرجة الأولى نظرا لمنصب الرجل الإستراتيجي، و لا يعرفون حتى أن العماري الذي توفي هو برتبة لواء، و العماري الذي يعيش هو برتبة فريق، إنهم لا يفرقون حتى الرتب العسكرية.

 

المواطن لا يهتم بالأخبار التي تهمه، لا يهتم بمقالات تتناول إصلاح المنظومة التربوية، و لا المنظومة الصحية، و لا حتى المنظومة الغذائية، و لكنه يستهلك بكثرة و بكل نهم الشائعات العمومية و كشف الطابوهات، فأين رأى صديقنا الصحفي فخامة رئيس الجمهورية يتجول في أرجاء العاصمة الجزائرية دون ربط حزام الأمن؟ أو أنه سمع مجرد دعابة في المقهى و قام بتسويقها؟ و حتى و إن كان فعلا رأى فخامته فعلا دون حزام الأمن؛ كم من مواطن في الجزائر كان يلتزم بربط حزام الأمن قبل سنوات؟ لا نكذب على بعضنا، فنحن نعيش وسط الشعب، و نعرف جيدا كيف يفكر الجزائري و كيف كانت تسير الجزائر، حزام الأمن لم يكن يحترم أبدا، و لا باقي قوانين المرور كانت تحترم و لا حتى أية قوانين أخرى، لأن الجزائري كان يقبل دفع 120 دينار غرامة على أن يربط حزام الأمن، و 120 دينار لمن لا يعرف العملة الجزائرية لا تتجاوز قيمتها 1,2 يورو، و لم يجبر الجزائري على احترام قانون المرور إلا بعد صدور تعاليم قانون المرور الجديدة و التي تنص على السحب المؤقت أو النهائي لرخصة السياقة حسب المخالفة، فلماذا نغطي الشمس بالغربال و نهتم بخبر لا يهمنا في شيء.

 

سيارة رئيس الجمهورية من دون قسيمة السيارات، هل بحث صاحب التعليق عن قوانين المالية؟ هل يعرف أن السيارات النظامية لأجهزة الأمن معفية من شراء القسيمة لأنها تؤدي خدمة عمومية؟ و إن لم تكن السيارة نظامية؛ هل تسائل عن إمكانية أن تكون القسيمة مخبأة مع وثائق السيارة في جيب السائق كما كان يفعل كل الجزائريين حيث كانوا يفضلون حفظها مع بطاقة التسجيل؟ أو أنه البحث عن مخالفة فحسب، البحث عن خبر يستهلكه الساذج و يسهل هضمه، أنا لا أعاتب الصحافيين، لأنهم قاموا بعملهم بكل ذكاء، فأعطوا القارئ ما يحب أن يستهلك، و لكنني أتكلم عن بطن القارئ الساذج الذي يستهلك أطعمة لا تسمن و لا تغني من جوع، لكن البطن ساذج كصاحبه، يريد الأكل الحلو و لو كان خال من أية قيمة غذائية، فمتى يسعى الساذج للرقي بذوقه؟ متى سيبحث عن الغذاء المفيد لروحه و يختار من الأخبار ما يهم تعليم أولاده و صحة عائلته و نظام غذائه و مستقبل بلده و مصير أمته، و يترك عنه الإهتمام الفارغ براتب الوزير، و مكافئة الرئيس و يترك التساؤل عن قوة محرك سيارة فخامته، و عن عشائه قبل أسبوع، و عن نوع خشب غرفة نومه و إن كان يفضل الأحذية الفرنسية أو الإيطالية؟ متى سيترك عنه ما لا يهمه إلى ما يهمه؟ أرجوكم؛ لا تقولوا أن سؤالي ساذج.


المدوّنة السابقة :: المدوّنة التالية
أخبار | العاب | المرأة | طالبات | الجامعات | برامج اسهم | بريد | فيديو | تداول | مواقع | منتديات | توصيه | جوال | مدونه | دليل | رساله | رياضه | سيارة | شات | قروبات| منتدى | نوكيا | رمال